القرآن الكريم كلام رب العالمين

تم نشره في الخميس 17 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً

أسامة شحادة

ارتباط القرآن الكريم بشهر رمضان وثيق، ففيه كان بدء نزول الوحي الرباني متمثلاً في القرآن الكريم، قال ربنا سبحانه وتعالى: "شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان" (البقرة: 185)، ولذلك كانت تلاوة القرآن الكريم وتدبره من أجلّ الطاعات في رمضان مع شعيرة الصيام، والتي يتخفف فيها المؤمنون والمؤمنات من الطعام والشراب والشهوات ليتزودوا من هداية القرآن وشفائه ونوره، ولذلك خصّ رمضان بشعيرة صلاة التراويح وتلاوة القرآن فيها مطولاً كما كانت سيرة الصحابة رضوان الله عليهم حيث كانوا "يقرؤون بالمئين وينصرفون عند فروع الفجر" بخلاف الحاصل اليوم من تخفيف قراءة القرآن فيها!!
وقد تعددت الآيات الربانية القرآنية التي تؤكد مصدر القرآن الكريم وأنه من الله تعالى وأنه كلامه سبحانه وأنه وحيه الواجب الاتّباع والطاعة، ومن تلك الآيات:
قوله عز وجل: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" (يوسف: 2).
وقوله عز وجل: "ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم" (الحجر: 87).
وقوله عز وجل: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى" (طه: 2)، وهناك عشرات الآيات الأخرى التي تنصّ على المصدر الإلهي للقرآن الكريم.
واعتقاد المصدر الإلهي للقرآن والوحي الذي نزل على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام محل اتفاق وإجماع وتسليم من المسلمين بعد أن فنّد القرآن الكريم شبهات تشكيك كفار قريش بذلك، وفنّد العلماء لاحقاً شبهات المستشرقين الذين أعادوا إحياء شبهات كفار قريش، ولكن في هذا الزمان -وبسبب الجهل بالقرآن الكريم وتفسيره وعلومه وضعف الثقافة الإسلامية عند ناشئتنا ودعم الإعلام لنشر شبهات المنحرفين والمحرّفين- نجد بعض الشباب والشابات من المسلمين تأثر بهذه الشبهات التي تم إعادة إحيائها بأشكال جديدة، وفي ما يلي الشبهات التي سجّلها القرآن الكريم وفنّدها في هذا الباب:

1 - زعم كفار قريش والمستشرقون أن مصدر القرآن هو محمد عليه الصلاة والسلام نفسه وأن القرآن مفترى منه على الله عز وجل، قال تعالى: "وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدّكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحقّ لما جاءهم إنْ هذا إلا سحر مبين" (سبأ: 43)، وقال جلّ وعلا: "أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم" (الأحقاف: 8).
والرد عليهم يتلخص في أن عدم وقوع تناقض وأخطاء في القرآن مع طول المدة التي عاشها النبي صلى الله عليه وسلم وشهدها تاريخ الإسلام يؤكد أنه ليس من عند محمد، قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عندِ غيرِ الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (النساء:82)، وأيضاً لو كان القرآن من عند محمد لما تأخر في الجواب عن بعض أسئلة الكفار واليهود وتبرئة أم المؤمنين عائشة مع شدة حاجته لذلك مما أوقعه في الحرج فنزل قوله تعالى: "ما ودّعك ربك وما قلى" (الضحى:3)، ولما ذكر فيه عتاب الله له كقوله تعالى: "عبس وتولى" (عبس:1)، ولو كان القرآن من عند محمد عليه الصلاة والسلام فلماذا لا يفتخر به وقد أعجز العرب عن مضاهاته وهم يتفاخرون بالشّعر والمعلّقات؟

2 - كما زعم كفار قريش والمستشرقون لاحقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن عن آخرين، قال تعالى: "وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً" (الفرقان:4)، وقوله جل في علاه: "ولقد نعلمُ أنهم يقولون إنما يُعلّمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" (النحل:103).
حيث زعم كفار قريش أن عبداً رومياً (اختلف في اسمه بلعام أو يعيش) هو الذي علّم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن! أما المستشرقون فزعموا أن النبي عليه الصلاة والسلام استعان بالحنفاء بمكة أو الصابئة أو النصارى أو اليهود أو حتى الزرادشت في إظهار القرآن الكريم بسبب بعض التشابه في أسماء العبادات أو الشعائر.
وهذا باطل فإن القرآن جاء باللغة العربية التي لا يمكن للأعاجم أن يصِلوا فيها للذروة بحيث يعجز صناديد قريش والعرب عن تحدي القرآن لهم، والذي تنازل معهم لإحضار سورة واحدة مثله، قال تعالى: "وإن كنتم في ريبٍ ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين" (البقرة:23)، وهذا يبطل زعمهم أن القرآن نتيجة البيئة الوثنية، فلماذا عجزوا عن الإتيان بمثله وهم من البيئة نفسها ويملكون ناصية اللغة؟!
كما أن القرآن قد أبطل ما في هذه الأديان من شركٍ انحرفت به عن الحق من توحيد الله عز وجل وصحّح الأخطاء الشائعة فيها من أخبار الغيب الماضي والمستقبل، فكيف يكون من صنعها!

3 - ثم لما فشلوا في هذه الافتراءات زعموا أن محمدا عليه الصلاة والسلام تتبّع الأساطير وكتبها، قال تعالى: "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرة وأصيلاً" (الفرقان:5).
وهذه الفرية ساقطة لكونه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب فكيف سيتعلم هذه الأساطير؟ وبِمن استعان في كتابتها وقراءتها، وهو لم يسافر خارج مكة وحده فيلتقي بمن يعلّمه تلك الأساطير المزعومة منفرداً؟، ولماذا لم ينشر هذه الأساطير مبكراً وانتظر حتى بلغ سن الأربعين؟ ولو كان القرآن أساطير مخترعة فلماذا رفض التفاهم مع كفار قريش على حلول وسطية تكفل له المال والجاه والنفوذ؟
الخلاصة؛ إن القرآن الكريم هو وحي من الله عز وجل وكلام رب العالمين، ولما بطلت مفتريات ومزاعم المشركين والمستشرقين في التشكيك بألوهية وربانية القرآن الكريم، تم اللجوء لحيل عصرية تحاول الطعن في ألوهية القرآن الكريم وهو ما سنبيّنه في المقال المقبل بإذن الله.

التعليق