د.باسم الطويسي

التعتيم على الفقر والفقراء

تم نشره في الأحد 20 أيار / مايو 2018. 11:06 مـساءً

لا مناسبة للحديث عن أحوال الفقر والفقراء أكثر من استمرار الأوضاع القائمة، مع حالة تعتيم مستمرة على مؤشرات الفقر منذ عشر سنوات، فيما يزداد ارتفاع الأسعار بالتزامن مع حلول شهر رمضان، ما دفع الجمعية الوطنية لحماية المستهلك لإطلاق حملة (نباتيون في رمضان) في الوقت الذي تصاعدت فيه أسعار اللحوم والدجاج وبعض السلع الأساسية الأخرى.
يحدث هذا وسط الإغراق في الانشغال بالأزمات الإقليمية وأبعادها الأمنية، وتأثيراتها الكبيرة على البلاد، وتحديدا ملفات اللاجئين والتطرف والحرب على الإرهاب، ما وفر بيئة مواتية لإضفاء المزيد من التعتيم على تفاقم أوضاع الفقر، وتراجع نوعية الحياة لفئات عريضة من المجتمع إلى درجات مقلقة، وتحديدا في المحافظات؛ حيث لم نجد أي مؤسسة تتصدى لمهمة قياس آثار هذه الموجات من التحولات على أوضاع الفقر والفقراء؛ سوى الشكاوى المريرة والمخجلة التي تنقلها الإذاعات ووسائل إعلام أخرى يوميا وتحديدا خلال شهر رمضان، بانتظار الصدقات السياسية والاجتماعية.
علاوة على حجم التحولات الهيكلية التي خلقتها أزمة العمل والبطالة، تواصل موجات ارتفاع الأسعار المتتالية ودورها في إعادة إنتاج الفقر بصيغ جديدة مختلفة عما كان مألوفا في السابق، ما يجعلنا أمام حاجة لإعادة تعريف الفقر من جديد، بعيدا عن محاولات التعريف السياسي الجارية.
فالفقر لدينا حلقة مفرغة صلبة، لأنه مرتبط بالعمل؛ أي بكفاءة النظام الاقتصادي على صعيد توفير العمل. لذا، نجد دورانا هائلا في العمل الاجتماعي يلف حول ذاته، من دون أن يتقدم خطوة واحدة؛ حديث طويل لا ينقطع ولا ينتهي حول الفقر والفقراء والتمكين وبناء القدرات والتأهيل والشباب والريادة والمشاريع الصغيرة والمتوسطة والتمويل، من دون نتائج ملموسة على الأرض؛ دوران هائل لا يصل الفقراء منه إلا المزيد من الدوار والغثيان.
ثمة مدرسة لدينا ترفض الاعتراف بعمليات تجريف الثروة المنظمة وإعادة تركيزها بشكل عمودي. ولدى هذه المدرسة الفقر ما يزال في معدلاته الطبيعية، والطبقة الوسطى بخير. وإلى وقت قريب، كانت توصيات أنصار هذه المدرسة هي المسموعة، وشاهدها السلوك الاستهلاكي لفئات اجتماعية محدودة. 
لقد راهنت نخب رسمية في ظروف اقتصادية سابقة متعددة على قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع ظروف تفاقم البطالة وزحف مساحات الفقر أو موجات ارتفاع الأسعار، وعادة كان التكيف مصدره ذاتيا أو سياسيا، وليس استجابة لبرامج اقتصادية اجتماعية، وبالنظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، يبدو واضحا أنه ومنذ العام 2009 أخذت مؤشرات التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة تتراجع ببطء، وربما وصلت إلى ذروتها في العديد من المناطق. وهذا يدلل عليها بارتفاع كلف الحياة وتراجع الفرص ولجوء فئات واسعة الى السلع والخدمات الرديئة للتعويض، وهذا الشكل الراهن للتكيف الاجتماعي من المتوقع أن يتفاقم أكثر، ولكن الأكثر خطورة وتهديدا هو استمرار التناقض الحاد بين أشكال التكيف السابقة للقاعدة العريضة واستمرار السلوك الاستهلاكي المتطرف لفئة محدودة من المجتمع، وهو التناقض التقليدي الذي يتكرر في كل المجتمعات ولكن يأخذ في كل مجتمع طريقته بالتفريغ سواء بالعنف أو بالسياسات البديلة.
من المفترض أن الوعي الاجتماعي للدولة قادر على أن يحسم بوضوح فكرة التحيز الإيجابي للقاعدة العريضة من المجتمع، وأن ينعكس ذلك في القوانين والسياسات العامة وفي السلوك اليومي للمؤسسات، وتجاوز ثقافة الإنكار،  وبالتحديد في هذه المرحلة التي تشهد تحولات واسعة وقاسية.

التعليق