يسقط القيصر بوتِين

تم نشره في الأحد 20 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً
  • متظاهرون يحتجون على سياسات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين - (أرشيفية)

أناستازيا إديل*

سان فرانسيسكو- وفق سيناريو مألوف، سارت الاحتجاجات التي عمت أرجاء روسيا قبل تنصيب فلاديمير بوتين رئيسا لولاية رابعة. وأعلنت الشرطة الروسية عدم شرعية التجمعات، وقللت وسائل الإعلام من حجم الاحتجاجات. واعتُقل أليكسي نافالني، المنظم الرئيس للتظاهرات وزعيم المعارضة الحقيقي في روسيا بطريقة درامية مثيرة، حينما جرته الشرطة من قلب مسيرة في موسكو، ليُحكم عليه في الخامس عشر من أيار (مايو) بالسجن 30 يوماً. كما تم الاعتداء على أكثر من 1600 متظاهر في أنحاء البلاد واعتقالهم.
لكن أحد عناصر الاحتجاجات الأخيرة جاء مستمداً من عرض أقدم كثيراً. فقد استدعى المتظاهرون الصيحة الاحتجاجية "يسقط القيصر!" وأيقظوها من سبات طويل لتعود إلى شوارع روسيا بعد 100 عام تقريباً من سقوط آخر قياصرة روسيا، وهو نيكولاي الثاني، برصاص البلاشفة في قبو بمدينة يكاترينبورج.
قبل قرن من وقتنا هذا، حاول الشاعر ألكسندر بوشكين رفع معنويات صديقه الفيلسوف بيوتر تشادايف، الذي اعتُبر مجنوناً لانتقاده القيصر نيكولاي الأول، فتنبأ بقدوم عصور أفضل عندما "تنهض روسيا من سباتها"، وكتب عبارته الشهيرة "سوف تُحفر أسماؤنا على أنقاض الاستبداد".
وبعد مائتي عام تقريباً وثلاث ثورات، ومن فوق القاعدة المنصوبة في قلب الميدان الذي يحمل اسمه، أخذ تمثال بوشكين البرونزي يحدق في حشود المتظاهرين من مواطنيه المعاصرين وقد اعتمروا تيجاناً ورقية صورية وهم ما يزالون يحاولون إيقاظ روسيا من "سباتها الأزلي"، أمام جلاديهم الملوحين بالسياط في زي القوازق. وربما حُفر اسم بوشكين على عدد كبير من النصب التذكارية، لكن نبوءته لم تتحقق بعد.
على الرغم من كون بوتين نتاجاً للاتحاد السوفيتي، حيث كان يُنظر فعلاً إلى كلمة "قيصر" على أنها كلمة مهينة ومسيئة، فإنه يُظهر ولعاً شديداً بالمستبدين من الحكام القدماء. وقد استطاع بوتين -بدعم قوي من الكنيسة الروسية الأرثوذكسية- أن يعزز بشدة مفهوم قداسة سلطة الدولة، وخطيئة ودنس مقاومتها. وقد اعتلى عرش الأباطرة البيزنطيين فوق جبل أثوس المقدس في اليونان، وصوّر رئاسته المؤبدة على أنها عبء يتعين عليه أن يحمله، في سبيل بلده وشعبه.
بينما حطم قادة الثورة البلشفية آثار القياصرة، شيد بوتين تمثالاً ضخماً لفلاديمير العظيم في موسكو وآخر لألكسندر الثالث في شبه جزيرة القرم. وقبل أربعة أعوام من تجاهله الصريح لمئوية الثورة الروسية في 2017، رعى بوتين احتفالات بالذكرى الأربعمائة لآل رومانوف، والتي اتسمت بالبذخ الشديد.
مع الصيحة الاحتجاجية التي هيمنت على مسيرات المتظاهرين الأخيرة، وصف نافالني -خصم بوتين العنيد، الذي لا يكف عن مطالبة الحكومة بالحقيقة حتى مع قيام عملائها بجره إلى زنزانة أخرى- إمبراطورية بوتين بأنها خدعة. وبذلك، جاءت المظاهرات لتكون بمثابة إدراك لطموحات بوتين الاستبدادية وإعلان التحدي لها في الوقت نفسه.
لكن الاحتمالات كلها تصب في مصلحة بوتين؛ حيث لا يمتلك نافالني سوى قناة على "يوتيوب"، في حين يسيطر بوتين على أجهزة الدولة بأكملها، والتي تشكل آلة قمع أضخم من أي آلة أتيحت لأي من قياصرة روسيا على مر التاريخ. كما أنها آلية حصنتها عقود من الحكم الشمولي المستبد حتى جعلتها عصية على التأثر فعلياً. وبعيداً عن الجيش المتحفز والأجهزة الأمنية الجبارة، هناك الآن الحرس الوطني للفيدرالية الروسية، أو "روس جفارديا"، وهي فرقة تتكون من نحو 340 ألف شخص أنشأها بوتين في العام 2016 والتي تتبعه مباشرة.
كما يدير بوتين آلة دعائية فعالة للغاية، والتي تنتج بغزارة في محاكاة بأدوات ما بعد الحداثة لمجموعة من الشعارات السوفياتية القديمة، والطقوس الدينية الشائعة قبل الثورة، والحيل التسويقية المتقدمة المستلهمة من الغرب "الاستهلاكي". وكما تقول الرواية: "لا شيء حقيقياً وكل شيء محتمل".
في الظاهر، تبدو منظومة بوتين فعالة ومؤثرة، حيث تصر الدراسات الاستقصائية الرسمية على أن 86 % من الروس -وعادة ما تكون النسبة 86 %- يؤيدونه في كل شيء، بدءاً من ضم شبه جزيرة القرم حتى ترشحه مؤخراً لولاية جديدة كرئيس. ولكن، ربما تشكل طموحات بوتين كحاكم مستبد في عصر ما بعد الحداثة نقطة ضعفه. فرغم كل شيء، يخلط الحكام المستبدون غالباً بين مظاهر وتصريحات الحب والإعجاب التي تبديها شعوبهم وبين الحقيقة الواقعة، وتبقى معرفة حقيقة ما يشعر به الشعب حقاً في حكم المستحيل.
في ظل حالة الركود التي يعاني منها الاقتصاد الروسي، والتي يعود سببها في المقام الأول إلى العقوبات الدولية والعقوبات المضادة المفروضة من قِبل الكرملين، سوف تستمر حالة السخط في الغليان ببطء. وقد تتسبب أي صدمة -حتى لو كانت صغيرة في ظاهرها- في فورانها. وعندها قد لا يكفي استهداف الخصوم والمنشقين، حيث سيضطر بوتين حينئذٍ للجوء إلى القمع الجماعي على طريقة ستالين، كبديل.
تظل مسألة مدى قدرة مثل هذه الديكتاتورية على البقاء في عصر الإنترنت سؤالاً مفتوحاً. فلو نظرنا في فشل محاولة الكرملين حجب تلغرام، خدمة المراسلة الفورية الأكثر رواجاً في روسيا، فسوف نجد أن التطبيق قد نجح في زيادة وتحفيز التأييد للاحتجاجات الأخيرة، بعيداً عما حدث من سحق للانشقاق.
تؤكد الشواهد أن ولاءات الروس يصعب تثبيتها. فتلك الجماهير التي وقفت لساعات في البرد من أجل أن تحظى بنظرة خاطفة إلى نيكولاي الثاني على متن الباخرة الملكية، هي نفسها التي ثارت ضده بعد عقد واحد فقط. وقد يصمت الناس لفترة ما، كما فعلوا على نحو مدمر في نهاية إحدى روائع بوشكين الأخرى، وهي المسرحية التراجيدية "بوريس جودونوف"، عندما اعتلى عرش البلاد قيصر جديد مزيف. لكن الصمت لا يعني الرضا دائماً.
قد تبدو الاحتجاجات الأخيرة غير مهمة مقارنة بحجم موارد القمع التي يمتلكها بوتين ومشهد تنصيبه الأخاذ. وإنما يصعب أيضاً تجاهل التاريخ الذي يلوذ به المحتجون، وينسى بوتين، الذي تتوق نفسه إلى التاج، أن الملكية الروسية، رغم كل عظمتها وفخامتها، كانت دائماً حقل ألغام، لأن احتقار الحاكم المستبد للقانون يتركه عرضة لعدالة الغوغاء.
في بحثه عن قلنسوة مونوماخ، تلك القبعة الأثرية المرصعة بالياقوت التي كان يرتديها قياصرة روسيا، يخاطر بوتين بتمهيد الطريق لموجة أخرى من العنف. وسواء حقق مثل هذا الثوران نبوءة بوشكين في النهاية أم لا، فسوف يفضي إلى تمزيق روسيا -وسوف يودي على الأرجح بقيصر هذا العصر المزعوم إلى مزبلة التاريخ.

*هي مؤلفة كتاب "ملعب بوتين: الإمبراطورية، الثورة، والنجم الجديد".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق