جمانة غنيمات

من أين كل هذا الفقر؟!

تم نشره في الأربعاء 23 أيار / مايو 2018. 11:10 مـساءً

ثمة إحساس خطير يسيطر على شريحة واسعة من الأردنيين تتفاوت معدلات مداخيلهم. هذا الشعور يكمن في إحساسهم بالفقر وقيامهم بتصنيف أنفسهم على أنهم فقراء كلما اتخذت الحكومة قرارا بزيادة أسعار سلع أو ضرائب أو حتى رسوم.
المجادلة طويلة تبدأ بالاحتجاج على رفع الأسعار، يلي ذلك تساؤلات عن جرأة الحكومة على زيادة الأسعار على الفقراء. ألم تعترف الحكومة نفسها بأن الأسرة البالغ دخلها 850 دينارا شهريا هي فقيرة، وتتكرر هذه المعلومة وتتداول رغم عدم دقتها.
رقميا، المعلومات المتداولة بين الناس خاطئة وغير دقيقة، فآخر بيانات حكومية صدرت في العام 2008 تقول إن خط الفقر المطلق (الغذائي وغير الغذائي) يقدر بـ 813.7 دينار للفرد سنويا (67.8 دينار شهريا) أي ما يعادل 366 دينارا شهريا للأسرة المعيارية (5.4 فرد)، فيما بلغت نسبة الفقر في المملكة 14.4 %.
بعد ذلك لم تتوفر أي أرقام رسمية حول الفقر باستثناء أرقام خرجت في العام 2016 بناء على مسح دخل ونفقات الأسرة في 2014، وقدرت النسبة بحوالي 20 %، لكن الحكومة نفتها وتحفظت على نشرها، وهذه نتيجة طبيعية لكل السياسات الرسمية.
السؤال المهم: لماذا يشعر الأردني بالفقر بشكل يفوق حجم المشكلة نفسها، فالأرقام التي يرددها الأردنيون وتصنيفهم غير العلمي للمشكل بعيد عن واقع الأرقام التي تقول إن الأسرة التي يزيد دخلها الشهري عن 366 دينارا ليست فقيرة، وإن الفرد الذي ينفق حوالي 68 دينارا شهريا خارج دائرة الفقر.
الأرقام نفسها تخضع لامتحان صعب، وتولد عديد أسئلة، أبرزها كيف يكفي هذا المبلغ القليل لحياة كريمة؟ بصراحة، المبلغ لا يمكن أن يوفر الحياة الكريمة، لكنه وفقا للمعايير العالمية فصاحبه ليس فقيرا، بيد أن من ينفق هذا الدخل يصبح وجوده في دائرة الجوع شبه أكيد في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والاحتياجات الأساسية.
بعيدا عن الآراء غير العلمية حول أرقام الفقر التي يرددها الأردنيون، نحتاج إلى قراءة الظروف الموضوعية التي قادت إلى هذه النتيجة، وكذلك دراسة الحالة النفسية التي تولدها مثل هذه القناعة، فهذا مزاج يلزم الالتفات إليه وعدم إهماله، كما نحتاج إلى وضع خطة يتشارك فيها المسؤولون التنفيذيون والفنيون ممن لهم تماس مباشر مع المواطن، بحيث يسأل كل مسؤول منهم عن دوره في توليد هذا الإحساس. فقطاع نقل عام بائس مهترئ يولد هذا الإحساس، وقطاع طبي لا يقدم خدمة صحية وطبية لائقة يعمقه أكثر، ونظام تعليمي بغرف صفية مكتظة يكرسه أيضا، إلى غير ذلك الكثير.
ثم على الحكومة أن تقيم السياسات العامة على مدى العقود الماضية التي خلقت نمطا استهلاكيا غير صحي، وأن تسعى لتصحيحه بالسياسات أيضا، وإلا كيف تفسر لنا الحكومات هذا العدد غير العادي من السيارات الفارهة التي تجوب الشوارع! وكيف تبرر هذا العدد من سيارات الركوب الشخصية، لولا أنها قصرت في ضبطه وفي إيجاد نظام نقل عام لائق!
ربما يتطلب التشخيص دراسات اجتماعية، وأخرى نفسية تدرس أبعاد هذا الشعور وماهية انعكاسه على المزاج العام أولا، وعلى بنية منظومة القيم التي تحكم المجتمع، ومدى الدور الذي يلعبه الشعور بالفقر في تكسير هذه القيم على شاطئ الواقع الصعب الذي يعيشه الأردني.
الإحساس يبدو أكثر خطورة في ظل ضعف نوايا الالتزام بدولة القانون والمؤسسات، فالفقر، يا سادة، ليس فقط فقر المال، بل، أيضا، هو عدم الشعور بالعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، وأهم من ذلك، عدم الاطمئنان بالأمل إلى مستقبل أفضل من الواقع المعاش.
بعد الالتفات للحالة ودراسة النتائج الخطيرة لإحساس الأردني بالفقر الذي تتسع دائرته يوما بعد يوم، والوقوف على الأسباب، نحتاج إلى ورشة عمل مفتوحة لعلاج المشكل، علّنا نخفف من شعور الأردني بالعوز.
رغم كل هذا.. تأتي الحكومة بقانون جديد يوسع شرائح دافعي ضريبة الدخل!!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ليس وهما (دحيدر البستنجي)

    الخميس 24 أيار / مايو 2018.
    إحساس الأردني بالفقر ليس ترفا أو وهما بل هو إحساس حقيقي نابع عن وقوفه لوحده أمام مشكلات تدني خدمات تعليم أولاده وإرتفاع كلفه المدارس الخاصه والتعليم الجامعي وكذلك أزمه الإيجارات والمواصلات وعدم الإحساس بالأمان من المرض وتدني الخدمه الصحيه ،فالأردني يقلق من تداعيات كل ذلك على معيشته وحتى لو وجد ما يكفيه اليوم يشعر أنه وحيد ولا يأمن الغد ويكفي أن يمرض أحد افراد العائله كي تنزلق الأسره تحت خط الفقر دون رحمه أو يضطر الوالد لتدريس احد الأولاد ضمن البرنامج الموازي وقس على ذلك من نكبات متوقعه لا تراها الحكومه وهي تحسب دخول الأردنيين
  • »وهم (انور محمد الضمور)

    الخميس 24 أيار / مايو 2018.
    استاذه جمانه الموضوع كتب عنه الكثير وهو معقد اكثر تعقيدا من المسأله الجدليه من ايهما اسبق للوجود الدجاجه ام البيضه فلو استخدمت قاعدة شعرة معاويه المشهوره بالنسبة للمستهلك وكم دخله الواقعي لما اصبحنا نتباكى من اي اجراء تجريه الحكومه للصالح العام وانا هنا لست محاميا عن الجهات المعنيه ايا كانت اسئله تطرح كثيره هل الحكومه مسوؤله عن المناسبات السعيده وغير السعيده هل الحكومه مسؤله عن الاجهزه الحديثه المستخدمه لدى قطاع واسع من المواطنين رجائي كل من يطالع هذا التعقيب انني ثري لا بالعكس مند ان خلقت ولغاية الان لم يكن لي توفيرا ولو 10 دنانير وليست وليست هذه نتاج بذخ او عادات سيئه لا سمح الله انما هي واقع مفروض لاشان لنا به شكرا استاذه جمانه
  • »لم أفهم ما المقصود (سميح جبرين)

    الخميس 24 أيار / مايو 2018.
    أسعد الله أوقاتك أستاذة جمانه ، أسمحي لي أن أقرّ بأنني وللمرة الأولى ربما أقرأ لك مقال لم أفهم ما المقصود منه ، ولكن ما فهمته بشكل مجتزأ من بعض ما ورد بالمقال أن الأرقام الرسمية تقول أن الأسرة التي يفوق دخلها 366 دينار ليست فقيرة .وهنا لا أريد إلا مناقشة رقم واحد من مصروفات هذه الأسرة ألا وهو إيجار السكن ، فهل يوجد سكن في جميع محافظات المملكة تقل قيمة أجرته الشهرية عن 150 دينار بالحد الأدنى ،فهل ما يتبقى من 366 دينار سيكفي الأسرة المعيارية للمأكل والملبس والمواصلات والعلاج وفواتير الكهرباء والماء والمصروف اليومي لطلبة المدارس وذلك على افتراض أنهم يدرسون مجاناً بالمدارس الحكومية . هذه معادلة سيعجز عن حلها عباقرة الرياضيات في العالم .
  • »ضريبة الدخل على ربح صافي ولا تدخل بكلفة منتجات وخدمات أما ضريبة مبيعات وجمارك ورسوم تدخل بالكلفة ولو انعدم ربح صافي (تيسير خرما)

    الخميس 24 أيار / مايو 2018.
    ضريبة الدخل على ربح صافي ولا تدخل بكلفة منتجات وخدمات أما ضريبة مبيعات وجمارك ورسوم تدخل بالكلفة ولو انعدم ربح صافي، إذن مصلحة عامة الناس اعتماد جباية دولة على ضريبة دخل أكثر من ضريبة مبيعات وجمارك ورسوم، ولكن التهرب من ضريبة الدخل عام فاحش لدرجة اعتراض معظم القطاعات على مشروع قانون ملاحقته وملاحقة من يساعد عليه بالتوازي مع خلق إدارة متخصصة بالتدقيق والملاحقة والتغريم والتحويل للنائب العام، وقد يتجاوز التهرب مليار سنوياً ولا بد من تمرير مشروع القانون بمجلسي النواب والأعيان بدون مماطلة أو تشويه.