فهد الخيطان

أخطر ما يواجهنا

تم نشره في الجمعة 1 حزيران / يونيو 2018. 11:10 مـساءً

الساعات التي انقضت بعد إضراب الأربعاء الماضي، كان من المفترض استثمارها لتطوير آلية حوار وطني تفضي لتوافق حول تعديلات قانون ضريبة الدخل. لكن قرارا دوريا بتسعير المشتقات النفطية نهاية كل شهر أضاف بعدا جديدا للأزمة بين الحكومة وممثلي القطاعات المهنية، ودفع بأوساط اجتماعية أخرى للاحتجاج وبطرق عنيفة أحيانا، إلى أن تدخل جلالة الملك وأوعز للحكومة بوقف القرار.
بدون أي مجاملات، قرار رفع أسعار المحروقات، ورغم كل الاعتبارات الاقتصادية، كان خطوة غير موفقة أبدا وتفتقر للحس السياسي. صحيح أن للتراجع عن القرار كلفة مالية تقدر بنحو 16 مليون دينار، لكن الكلفة الاجتماعية والأمنية المترتبة على سريانه كانت لتفوق هذا المبلغ بكثير.
النتيجة الفورية للقرار كانت رفع سقف الشعارات في الشارع والانتقال من مطلب سحب قانون الضريبة إلى شعار إسقاط الحكومة، وفوق ذلك إعادة إنتاج حالة الحراك التي برزت في سنوات سابقة بخطابها ومفرداتها الغاضبة.
الجانب الخطير الذي لم تتنبه له الحكومة هو أن هامش المناورة أمامها في هذه المرحلة تحديدا أضيق بكثير من ذلك الهامش الذي كان متاحا قبل ست سنوات. الأوضاع الاقتصادية أكثر صعوبة مما كانت عليه في ذلك الوقت، والظروف الإقليمية معقدة بدرجة غير مسبوقة، وتحالفات الأردن محدودة، ناهيك عن تراجع المساعدات المالية مقارنة بالسابق.
والأهم من ذلك أن الحكومة التزمت ببرنامج للتصحيح الاقتصادي، كلف التراجع عنه تبدو غير ممكنة. ومن الناحية السياسية، لا تملك مؤسسات الدولة هامشا إضافيا للتحرك مثلما فعلت في سنوات الربيع العربي.
كان ينبغي وضع هذه الاعتبارات على الطاولة وأخذها في الحسبان قبل اتخاذ القرارات الاقتصادية الأخيرة.
استذكر كثيرون في هذه الأيام أحداث نيسان 1989 وما تلاها من تحولات في الأردن. نود أن نذكر أيضا أن ما اعتبر في ذلك الوقت استجابة لمطالب الشارع من انتخابات نيابية ومنح حرية تأسيس الأحزاب، متاح اليوم ولا شيء يمكن إضافته سوى إجراء انتخابات مبكرة على سبيل المثال وإقالة الحكومة. بينما الأهم حصل على المستوى الاقتصادي، ففي ذلك العام قبل أكثر من ربع قرن، شرع الأردن في تطبيق برامج صندوق النقد الدولي للتصحيح الاقتصادي. وهي البرامج ذاتها التي ما نزال مضطرين لتبنيها حاليا.
بمعنى آخر، أي تغييرات سياسية محتملة في الأردن لن تكون على حساب البرنامج الاقتصادي للمرحلة. الفرصة المتاحة فقط هي إجراء حوار وطني لتحسين شروط الإصلاح الاقتصادي، وتخفيف آثاره على الفئات الشعبية، والتوافق على برنامج لتحريك النمو الاقتصادي. لكن الأهداف الأساسية لا يمكن تجاهلها؛ خفض المديونية وضبط الإنفاق والتخلص من الثقافة الريعية في الدولة.
يتعين على مؤسسات الدولة التفكير بعمق بمجريات المرحلة، والخروج من دائرة ردود الأفعال حتى لا يقال إن الدولة استنفدت خياراتها في أزمتي 89 والربيع العربي. ينبغي تطوير برنامج خلاق للاستجابة للأحداث والمتغيرات لاستعادة زمام المبادرة. أهم بند على جدول أعمالنا حاليا هو التفكير بطرق استعادة المبادرة، وأخطر شيء هو فقدان هذا الشعور والاستسلام للتطورات.

التعليق