إبراهيم غرايبة

سقوط كهنة الفشل

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2018. 11:06 مـساءً

لم يكن فرصة للنخب المهيمنة للبقاء سوى الخوف، لم يتعلموا في هارفارد وشقيقاتها سوى الفشل، لكنهم في الإصلاح يتحولون إلى متسولين لا يقرؤون ولا يكتبون. لكن لم تعد نظرية الخوف من السلطة والقهر صالحة لتنظيم العلاقة بين النخب والمجتمعات، وفي عدم مغادرتها لمربع الخوف منطلقا للسلطة والتأثير ورفضها لعقد اجتماعي جديد لتنظيم السلطة والموارد كما فعلت وجربت معظم أمم العالم، فإنها تبحث عن خوف جديد أو مصادر جديدة للخوف تدفع الشعوب للتحالف معها أو القبول بها، .. ثمة حاجة نخبوية إلى الخوف من الإرهاب والفوضى وعدم الاستقرار، فإذا لم يخف المواطنون من السلطة يمكن أن يخافوا مما هو أسوأ من استبدادها وقهرها. لكنه خوف بلا أمل يوقظ الوعي الأسطوري عندما وجد أحدهم ألا قيمة للحياة بعد أن يقدم طفله إلى الوحش "لفياثان"، وإذ تساوت عنده الحياة والموت فإنه بدلا من أن ينتحر لجأ الى حيلة تقديم دماغ الخروف بدلا من دماغ الطفل، وهو لن يخسر شيئا على أي حال، .. تناظر هذه الحيلة الأسطورية مقولة وليم جيمس المدهشة بأن في مقدور الناس أن يغيروا حياتهم بتغيير موقفهم الذهني.

لم تظهر النخبة السياسية رغبة ولم تكن مؤهلة ابتداء لتمنح الأمل إلى الناس، لم يكن لديها سوى الجباية والاستئثار، لم تتعلم في الجامعات الأنيقة سوى "الهيلمة"، لكنها في ذلك أغلقت اللعبة السياسية والاجتماعية، وعطلتها، صارت الحياة العامة مثل مباراة ليس فيها سوى فريق واحد! وفي ذلك تحولت اللعبة إلى استعراض ساذج غير مقنع وغير مسلّ، .. ثم دُفِع الجمهور إلى الإعجاب والتصفيق والدهشة! فالغالبية العظمى من الناس لا تجد لها مكانا في الدولة والمجتمع، وفي ذلك فإنها تتحول إلى العداوة والخصومة، وفي أحسن الأحوال تمضي إلى انسحاب لا يقل خطرا عن العداء والكراهية، ومن المحتم أنه إذا لم يكن لك مكان أو مكانة في المجتمع فأنت بالضرورة ضد المجتمع، .. يستوي في ذلك المتمرد واللامنتمي والإرهابي والمتطرف والخارج على القانون والمهمش، ويستوي في المحصلة أن تكون مخطئا أو مصيبا، معذورا أو جانيا، .. وهذه ببساطة ووضوح قصة التمرد الخارج على المتوقع وعن قواعد الصراع. فإذا لم تكن جزءا من المجتمع فأنت خارج عليه!

كانت النخبة الإصلاحية الأنيقة القادمة من قلعة "لفياثان" تجد مكانا في اللعبة لتمارس الخطأ ثم تبكي عليه، وصار لدينا مجموعة من شركاء الفشل الذين أعجبونا بالبكاء على أخطاء السلطة التي شاركوا فيها، لكنها لعبة لم تعد مسلية، ففي "يوتيوب" يمكن أن تستعيد حسني البورزان ومستر بين وتستمتع أكثر من هذا السيرك الساذج الذي يشبه مسرحية أطفال بدائية، يضحك الآباء لأجلها ويصفقون، لكن حين يصدق الممثلون أنهم بالفعل "صلاح الدين" وليسوا فقط يؤدون مسرحية للتسلية وحين يصدق الجمهور أن التلاميذ هم بالفعل مبعوثو العناية الإلهية لا يعود بطن الأرض أسوأ من ظهرها، .. ويستوي الدواعش والهارفاردية!

التعليق