"الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك"

تم نشره في الخميس 7 حزيران / يونيو 2018. 11:10 مـساءً

د. محمد المجالي

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يرغّب ويرهّب، يطرق الآذان لتسمع، وينبه الذهن ليفهم ويدرك، ولتتفاعل الكلمات مع النفس فتنبت حالة من الوعي والبصيرة، فينتبه أحدنا إلى الحقائق التي طالما التهى عنها، أو نسي غاياتها، أو انشغل عنها، فالله خلقنا لغاية محددة: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وما خلقنا عبثا، فالعبثية مستحيلة عليه سبحانه: "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا تُرجَعون!؟".
إنها الرحلة المؤقتة للإنسان في هذه الدنيا الفانية، فالحياة الحقيقية هي الآخرة، والعجيب أن مصيرك أيها الإنسان هناك في الدار الباقية مرتبط بما قدمت في هذه الدار الفانية، فمن عمل خيرا فوجد آثاره فليحمد الله، ومن عمل سوءا فوجد آثاره فلا يلومن إلا نفسه.
ونحن في آخر أسبوع من شهر رمضان، حيث الخير كله، فيه ليلة خير من ألف شهر، يحرص المسلمون على إحيائها لإدراك فضلها، ومن يدري، فربما لحظة من الصدق والإنابة مع الله تعالى تغيّر كيانك أيها الإنسان كليا نحو الله، أن يرضى عنك ويتولاك فتصبح في ذمته ورعايته ومن أوليائه، وحينها يرشدك إلى صراطه المستقيم: "ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراط مستقيم"، ويثبتك: "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، ويدافع عنك: "إن الله يدافع عن الذين آمنوا، إن الله لا يحب كل ظلّام كفور"، ويدفع عن أوليائه الخوف والحزن: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون".
ما أطيب العيش وما ألذه إن كان لله ومع الله وفي الله، حين يسيطر على شعورك وعقلك وفكرك وهمّك كيف ترضي الله، وكيف تكون من أهله وأوليائه، فهي سعادة لا تعلوها سعادة، أن تستشعر معية الله لك، تذكره ويذكرك: "فاذكروني أذكركم"، تحبه ويحبك: "يحبهم ويحبونه"، وترضى عنه ويرضى عنك: "رضي الله عنهم ورضوا عنه".
يخبرنا صلى الله عليه وسلم أن الجنة أقرب إلى أحدنا من شِراك نعله، والنار مثل ذلك، فالأمر مرتبط بقرار يتخذه الإنسان، وبعدها إما يسير في الطاعة أو في المعصية، فليقرر أحدنا أي الطريقين يختار، وهو يعلم في قرارة نفسه أنه سالك أحد الطريقين، فإن صمم وألزم نفسه السير مع الله، فحتما هو في طريق الجنة، ولن يخيب الله ظنه به، ولن يسلبه نوره، فهو يحب توبة العبد وإنابته رغم كثرة معاصيه، فكيف بمن جاهد نفسه في السير في طريق الله، واطمأن بما عند الله، وأحسن ظنه وثقته به؟! وفي المقابل فهناك من يصمم على السير في الطريق الآخر، وهو يعرف في قرارة نفسه أنه يسلك باب الشهوات والمعاصي، ولا يتركه الله تعالى، بل يرسل له رسائل كثيرة ليرتدع ويرعوي وينيب، يغريه بالمغفرة والتوبة، ويعلمه أنه يفرح لتوبته، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، وبالنهار ليتوب مسيء الليل، كل ذلك ليغريه بالتوبة رغم بعده عن الصراط المستقيم، فهي رحمته التي وسعت كل شيء، فإن أعرض وتكبر فلا شك هو الذي يتحمل مسؤوليته.
الجنة أقرب إلى أحدنا من شراك نعله بالطاعة، والنار مثل ذلك قريبة بالمعصية، ومن هنا قال ابن بطال رحمه الله تعالى: "فيه أن الطاعة موصلةٌ إلى الجنة، وأن المعصية مقربة إلى النار، وأن الطاعة والمعصية قد تكونان في أيسر الأشياء"، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "معنى الحديث أن تحصيل الجنة سهلٌ بتصحيح القصد وفعل الطاعة، والنار كذلك بموافقة الهوى وفعل المعصية"، وقال ابن حجر رحمه الله: "فينبغي للمرء ألا يزهد في قليل من الخير أن يأتيَه، ولا في قليل من الشر أن يجتنبه؛ فإنه لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيئة التي يسخط عليه بها".
ونحن نودع رمضان نراجع أنفسنا، ونحاسبها على ما قدمت من خير أو من شر، ولا أظن عاقلا يرضى لنفسه أن يخرج من الشهر بمثل ما دخله، اللهم إلا أن يكون مكثرا من الطاعة أصلا، فكلنا خطّاء عجول جهول ضعيف، ولكن بالاعتصام بالله أقوياء علماء مهديون راشدون، أصحاب منهج وفرقان نميز من خلاله بين الحق والباطل، ولا نقع في الشبهات ولا الشهوات، فلتكن هذه فرصتك أيها البعيد عن الالتزام بطاعة الله، حرّك الإيمان الموجود في أصل فطرتك، زحزح الغطاء عن القلب صاحب الفطرة، لترى بصيص النور والأمل بالله تعالى، وبعد ذلك تأنس بخالقك وتستشعر رحمته ولطفه ومحبته.
أيها العاصي لا تغرنك قوتك وصحتك ومالك وجاهك، كل ذلك لن يفيدك في آخرتك ما لم تؤمن به تعالى وتطيعه، فالإيمان ليس بالتمني والادعاء، فهو إقرار باللسان، وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، وإياك والتسويف بالتوبة والإنابة، فالموت يأتي بغتة، وأحدنا لا يدري ماذا في قابل الأيام، ولا ساعة منيته، بل هو الابتلاء العام في هذه الدنيا.
خاب وخسر من أدرك رمضان فلم يُغْفر له، لأن الفرص التي مرت بك كثيرة ولم تستغلها، الناس في بيوت الله وأنت في اللهو واللعب، الناس يعتكفون ويحيون الليل يصلون ويسجدون ويقرؤون القرآن ويذكرون الله ويرجونه المغفرة والعتق من النار وعفوه سبحانه، وأنت تستشعر أنك ستدخل الجنة بلا عمل، وتلهو وتلعب وتسخر من المنيبين إلى الله الخائفين من عذابه، الملتجئين إليه تعالى.
النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، فليحذر أحدنا من هول النار والخزي والطرد من رحمة الله، لا تتباهى بتاريخك ومجدك الدنيوي، بل تطلع إلى حقيقة واحدة، أن يمتلئ قلبك سعادة حقيقية كاملة، حين تستشعر رضا الله عنك في قلبك، فتعظّمه وتحبه وتذكره وترجوه، فما أجمل العيش في الله ومعه وفي سبيله، اللهم ثبتنا وارزقنا الإخلاص والصدق والقبول، آمين.

التعليق