مستقبل المصارف الإسلامية في المعرفة والابتكار (1 – 2)

تم نشره في السبت 9 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً

د. غسان الطالب*

نتوقف اليوم، وبعد مرور عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية، ونراقب باهتمام شديد ردود أفعال القائمين على الصناعة المصرفية في العالم والدهشة التي تبدو أحيانا على وجوههم من سرعة نمو وانتشار الصناعة المصرفية الإسلامية والقبول المتزايد لمنتجاتها في الأسواق المالية العالمية.
فهذا القطاع واعد وينظر إلى المستقبل بثقة وأصبح منافسا حقيقيا في الكثير من الأسواق المصرفية لقطاع التمويل التقليدي الذي يمتلك الخبرة عبر فارق من الزمن يتمثل بقرون عدة.
 إلا أنه ما يزال يواجه مجموعة من التحديات الخارجية والداخلية، فمن التحديات الخارجية مثلا القوانين والتشريعات والأنظمة التي صيغت بطريقة تلائم عمل المصارف التقليدية فقط مثل المعايير المحاسبية والمالية ووسائل الرقابة التي تمارسها المصارف المركزية، وتمسكها بأدوات السياسة النقدية المبنية على سعر الفائدة، أما التحديات الداخلية فتتمثل في عدم قدرة هذه المصارف على تهيئة الكادر المتدرب والمؤهل الذي يعتمد عليه نجاح المصرف أولا وأخيرا؛ إذ ما تزال تعتمد في العديد من كوادرها على الموظفين الذين كوّنوا خبراتهم المصرفية في القطاع المصرفي التقليدي تم انتقلوا لإدارة العمليات المصرفية الإسلامية مع الفارق بين الفلسفتين، وكذلك في طبيعة عمل هيئات الرقابة الشرعية، فمن المجدي أن لا تقتصر هذه الهيئات على المتخصصين في الجانب الفقهي، بل تعزز في نخبة من المتخصصين في المعاملات المالية وأصحاب الخبرة في الإدارة، وهذا سيؤدي بالطبع إلى جودة في أداء الهيئة ويمثل في النهاية وجود جهاز رقابي يبعث على الاطمئنان والثقة لدى المتعاملين مع المصرف، وكذلك تعمل على تعميق الجانب المعرفي بالمعاملات المصرفية الإسلامية لدى العاملين بالمصرف.
 أما الجانب الذي نعتقد أنه مهم، فيتمثل بوضع استراتيجية منظمة وهادفة لتعميق البعد المعرفي لهذه الصناعة، التي تهدف إلى نقل فلسفتها ومبادئها الأخلاقية والاقتصادية وبالسرعة نفسها التي تنمو وتتوسع بها إلى مواطن انتشارها كافة ووفق عمل مؤسسي منظم يرتكز على العلم والمنطق لتكسب كذلك أسواق جديدة لم يكن بالأمس من السهل عليها إقناعها أو حتى الاقتراب منها كما هو الحال اليوم؛ إذ تتنافس العديد من الدول الأوروبية لاحتضان مؤسسات التمويل الإسلامي والانفتاح بشكل كبير على أسواق المال الإسلامية وإقبالها على منتجاتها المالية، لذلك فإننا نقترح ما يلي:
-  إعطاء اهتمام أكبر من قبل المؤسسات المصرفية الإسلامية للبحث العلمي والدراسات المصرفية الإسلامية حتى تتمكن من مجاراة نمو هذا القطاع وتوسعه.
-  التوجه الجدي لإقامة المؤتمرات والندوات وورش العمل ذات المضمون، والتي فعلا تخرج بنتائج عملية وليس توصيات مكتوبة لا تجد من يتابعها والحد من النشاطات غير المجدية، التي لا تتعدى كونها لقاءات أو حوارات نقاشية لا تفضي إلى نتيجة أو تلك التي تسعى لتحقيق مصالح شخصية أو أغراض تجارية.
-  وضع إستراتيجية تسويقية تهدف لنشر ثقافة الوعي المصرفي الإسلامي وتعميق الثقة في مؤسساته.
-  وضع إستراتيجية لإدارة وتنظيم هذا النمو وضبطه بما يخدم تطلعاتها وأهدافها لكسب المزيد من الأسواق الجديدة.
-  التوجه إلى الإعلام الجاد في نشر ثقافة وأهمية العمل المصرفي الإسلامي داخل المجتمعات الإسلامية والأوساط الاقتصادية العالمية.
-  العمل على تضييق فجوة الخلافات الفقهية بين علماء الأمة فيما يخص المعاملات المالية.
-  التوسع في فتح فروع جديدة وإيصال الخدمات المالية الإسلامية إلى المناطق النائية والقرى والأرياف.
-  الاهتمام كذلك بالتنسيق والتعاون بين مختلف المصارف الإسلامية في أماكن وجودها.
-  التعريف بالمنتجات المالية الإسلامية المبتكرة إعلاميا أو من خلال وسائل التسويق المصرفي الخاصة بالمصرف أو بأي وسائل تحقق الهدف.
-  التوجه إلى الجامعات ومعاهد الدراسات العليا وتقديم الدعم للطلبة المتفوقين والراغبين في مواصلة تخصصاتهم في المصارف الإسلامية وتقديم الدعم المناسب لمشاريعهم البحثية للاستفادة منهم مستقبلا وبما يساعد كذلك على تنمية الوعي المصرفي الإسلامي لديهم.
- الانفتاح المنضبط على المجموعات المصرفية العالمية الكبرى للاستفادة من وسائل التقنية الحديثة وتكنولوجيا المعلومات لديها.
-  السعي المشترك لإنشاء بنك للمعلومات يختص في الصناعة المصرفية الإسلامية، تسهم فيه جميع المؤسسات والمصارف العاملة في هذا القطاع لتعميم الفائدة على الجميع.
كما أن هناك العديد من الوسائل والإجراءات السلوكية والمهنية التي تمتاز بها هذه المصارف، وتمكنها من إيصال وتعميق ثقافتها وفلسفتها لدى مجتمعاتها أو خارجها، خصوصا في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية ولديها كل الإمكانات التي تسمح لها بذلك.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق