ترميم الاقتصاد الأردني أم إعادة تصميمه

تم نشره في الثلاثاء 12 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

الدكتور أديب حداد*

عمان- إن أي محاولة لتصحيح الاقتصاد الأردني والخروج من الأزمة الاقتصادية الراهنة لا بد أن تنطلق من الثوابت الأساسية للاقتصاد الوطني.
 فالأردن بلد صغير محدود الموارد الاقتصادية، وله طبيعة إنتاجية محدودة وسوق ضيّقة نسبياً. فمن الطبيعي أن يدرك راسمو السياسات الاقتصادية منذ الخمسينيات من القرن الماضي أن الاعتماد والانفتاح على العالم الخارجي، وخصوصاً على العالم العربي لتحقيق التنمية الاقتصادية رسخ بعض الخصائص التي لازمت الاقتصاد الأردني حتى وقتنا الراهن.
إننا نعيش اليوم أخطر أزمة اقتصادية ومالية منذ عام 1989 بسبب تفاقم العجز المزمن في الموازنة العامة وضخامة المديونية العامة نتيجة التوسع الكبير في الانفاق الاستهلاكي الحكومي وتزايد الخلل الهيكلي في سوق العمل مما أدى الى زيادة حجم البطالة ومعدلات الفقر وارتفاع العجز في الميزان التجاري وتراجع معدلات الانتاجية في الاقتصاد وتزايد معدلات التضخم وهروب رأس المال العامل إلى الخارج والتراجع الحاد في المساعدات العربية والانخفاض الكبير في حجم التداول وأسعار الأسهم.
ولأهمية هذه المتغيرات الاقتصادية والمالية سواء كانت سلبية أم ايجابية لا بّد من استنباط العلاقة الرياضية النموذجية بين المؤشرات المختلفة وذلك باستخدام النموذج الرياضي في أدبيات الفكر الاقتصادي والذي يعتمد على مطابقة الدخل القومي مع مكوناته الأساسية لفرض الوصول إلى بعض النتائج المهمة التي تحدد أبعاد المشكلة الاقتصادية فالمزاوجة  بكفاءة عالية بين عوامل الانتاج المختلفة وخاصة العمل ورأس المال ستساعد على تبني سياسات اقتصادية حكيمة وقابلة للتنفيذ.
وبالمناسبة، لقد شاركت انا وزملائي في البنك المركزي ووزارتي المالية والتخطيط في برنامج الاصلاح الاقتصادي (1989 - 1991) بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. وقد استحدثنا نموذجاً رياضياً للأردن، تمت مناقشته مع الصندوق، تناول جميع مؤشرات الاقتصاد الكلي لفرض تحديد المشكلة الاقتصادية التي تمثلت بانخفاض سعر صرف الدينار الى اكثر من النصف وارتفاع معدلات التضخم الى حوالي 20 ٪ وضخامة العجوزات المالية والتجارية، بالإضافة إلى نضوب الاحتياطيات الأجنبية نتيجة التراجع الحاد في المساعدات الغربية، مما أدى إلى تحقيق معدلات سالبة في النمو الاقتصادي. وفي نهاية البرنامج، استطاع الاقتصاد الوطني أن يحقق معدلات نمو اقتصادي إيجابية.
باعتقادي، أن ما يحدث اليوم في الأردن يشبه إلى حد ما الزلزال الاقتصادي الذي ضرب دولة المكسيك عام 1994 ودول جنوب شرقي اسيا عام 1997 من حيث ارتفاع المديونية والعجز الكثير في الميزان التجاري وارتفاع معدلات الأسعار والفساد الإداري والمالي.
فلماذا عجز صندوق النقد الدولي عن حل هذه الأزمات؟!
 باختصار شديد، لقد قام صندوق النقد الدولي بتطبيق العلاج الجاهز (الروشته الجاهزة) التي تصلح لكل زمان ومكان على تلك الدول. كلنا يعرف مدى فعالية علاج الصندوق الجاهز، التقشف عن طريق تقليص الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات عن طريق الضرائب وتخفيض العملة الوطنية واتباع سياسة نقدية متشددة وتقليص حجم الدولة واتباع اقتصاديات السوق، إن هذه الوصفات الجاهزة التي تعطى لكل مريض مهما كان نوع المرض لم تستفد منها دول النمور الآسيوية في تحقيق النمو الاقتصادي المنشود.
وبصورة عامة، إن ما قام به رئيس وزراء ماليزيا، مهاتير محمد، بعدم الأخذ بإصلاحات الصندوق الدولي واتباع برنامج تحفيز اقتصادي شامل وذلك بإزالة القيود البيروقراطية في الأنظمة والقوانين وتطوير الصناعات البسيطة إلى صناعات ذات تقنية عالمية، بالإضافة إلى تأهيل الكوادر البشرية وخلق القيادات الإدارية وزيادة معدل الإدخار المحلي ساعدت جميعها ماليزيا للخروج من الأزمة.
وبالمناسبة، أدت وصفات الصندوق إلى انهيار الاقتصاد الأندونيسي وزيادة المديونية إلى أكثر من الضعف وانهيار شركات محلية كبرى.
فالدروس المستفادة من الأزمات الاقتصادية الدولية هي حقائق تاريخية تدعو الحكومة ومختلف مؤسسات المجتمع المدني من أحزاب ونقابات ونخب اقتصادية الآن وقبل فوات الأوان للعمل وبشكل سريع ومنظم لحماية الاقتصاد الوطني والمواطنين من تداعيات أعاصير الزلازل المتلاحقة لتلك الأزمة.
ومن منظور أدبيات الاقتصاد، إن إجراءات صندوق النقد الدولي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي عن طريق رفع أسعار الخبز وتعديل ضريبة الدخل ومحاربة الفئات المتهربة من الضرائب لن تستطيع إخراج الاقتصاد الأردني من أزمته، بل تنعكس سلبا على النحو الاقتصادي بسبب تراجع الطلب المحلي وارتفاع الاسعار وانخفاض المدخرات الوطنية.
فهذه الاجراءات ما هي إلا أدوات مسكنة وليست أدوات استراتيجية لإعادة هيكلة نظامنا الاقتصادي والمالي، فهي لن تساعد على حل الأزمة جذريا ولن تؤدي إلى وقف تداعياتها وارتداداتها لأنها لم تكن وليدة الساعة، بل إنها نشأت وترعرعت على مدار السنين الماضية وامتدت لتطول القطاعات الانتاجية والمالية والخدمية، كما إن تداعيات الأزمة كشفت عيوب النظام الاقتصادي وعدم قدرته على خلق الحلول الجذرية للخروج من تداعياتها المستقبلية، فإننا اليوم أمام تغيرات جذرية ضرورية لتصحيح مسار نظامنا الاقتصادي للمحافظة على مؤسساتنا الاقتصادية والمالية واستمرارها في نهجها الانتاجي.
فالمطلوب عاجلا استحداث خطة تنموية متكاملة وشاملة تشارك فيها الحكومة وجميع مؤسسات المجتمع المدني، خلافا لخطة التحفيز الاقتصادي (2018 - 2022) التي تركز على الإجراءات دون ترجمة حقيقية وملموسة للواقع الاقتصادي، فالخطة التنموية تستدعي تنفيذ المتطلبات الضرورية والأساسية لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاه الاجتماعي وذلك بتوجيه المنح والقروض والانفاق الرأسمالي إلى الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المنتجة ذات المنفعة العالية لجميع شرائح المجتمع كالطاقة والمياه والنقل والصحة وكذلك اعادة هيكلة القطاع العام وإلغاء أو دمج المؤسسات الحكومية المستقلة المتشابهة في اعمالها، بالإضافة إلى مراجعة بنود الموازنة العامة الجارية وإلغاء بعضها.
ولاستحداث هذه الخطة التنموية أن يصار إلى عقد "ميثاق وطني اقتصادي"، وذلك بتشكيل فريق وطني من جميع مكونات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات والمؤسسات المالية وغرفة الصناعة والتجارة والقطاعات الاقتصادية المختلفة العامة والخاصة القادرة على الشروع بحوار وطني حول الشؤون الاقتصادية، وأن تتاح له كامل الصلاحيات القانونية والادارية وبعيدا عن هيمنة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ويعتبر هذا الميثاق الوطني تحولا ديمقراطيا للمشاركة في إعادة هيكلة النظام الاقتصادي الاردني مما يساعد على الانتقال من الاقتصاد الريعي الى القطاعات الاقتصادية المنتجة.
 فلقد حان الوقت لأخذ زمام المبادرة بكل جدية وإخلاص لمعالجة الأزمة للحفاظ على مقدراتنا الاقتصادية والمالية الوطنية، فإما أن نسبح معا أو نغرق معا، ونحن قادرون على ان نسبح معا لتحقيق ما نصبو إليه بتضامننا وتكاتفنا وإمكانياتنا البشرية والمادية.
وخلاصة الأمر، إن نجاح هذا التحول الاستراتيجي سوف يساعد على خفض حجم المديونية وخلق فرص عمل وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية واستقطاب الاستثمار العربي والأجنبي.

* أكاديمي وخبير مالي

التعليق