سائد كراجة

تغيير النهج

تم نشره في الأربعاء 13 حزيران / يونيو 2018. 12:03 صباحاً

أول ما تمارسه الأمم والشعوب في مراحل التحولات الاقتصادية والاجتماعية هو ضبط المصطلحات وتحديد المفاهيم، وفي هذا السياق وفي رحاب ترقب الإعلان عن الحكومة الجديدة، فإن من المفيد ضبط المصطلحات المتداولة مثل تغيير النهج، الحكومات البرلمانية، الولاية العامة.
سنداً للدستور الأردني، فإنه يعهد بالسلطة التنفيذية- الحكومة -للملك؛ حيث نص الدستور في المادة "26" منه: "السلطة التنفيذية تناط بالملك، ويتولاها بواسطة وزرائه وفق أحكام هذا الدستور".
كما أن الملك هو الذي يعين رئيس الوزراء؛ حيث نص الدستور أيضا: "الملك يعين رئيس الوزراء ويقيله ويقبل استقالته"، أما من جانب آخر فقد اشترط الدستور حصول الحكومة المشكلة على ثقة أغلبية مجلس النواب.
وفي ضوء هذه النصوص، فإن الحكومة البرلمانية حسب الدستور الأردني تتشكل كحصيلة لمراعاة نصوص الدستور التي تقضي بأن الملك يعين رئيس الوزراء من جانب، وتلك التي تشترط حصول الحكومة على ثقة أغلبية مجلس النواب؛ فلو كانت أغلبية أعضاء مجلس النواب من حزب الخضر مثلاً، فإن الملك عملياً ولضمان أن تحصل حكومته على الثقة، فإنه سيعين الرئيس من حزب الخُضر الذي يشكل الحكومة ويضمن الثقة باعتباره أغلبية في المجلس.
لكن الحكومة البرلمانية لا تعني فقط تشكيل حكومة من النواب أو حكومة مشكلة بثقة النواب، فإن السنوات السابقة شهدت حصول الثقة البرلمانية لحكومات بطرق مختلفة؛ منها الأعطيات والوعود وغيرها. ولهذا فإن الحكومات البرلمانية هي حصيلة ونتيجة لحياة سياسية متكاملة عمادها أحزاب وطنية ببرامج عملية قابلة للتطبيق والتقييم ضمن زمن وموازنة مالية واضحة.
وعليه، فإن تغيير النهج بخصوص الحكومة البرلمانية لن يبدأ بهذه الحكومة ولا بهذا البرلمان الذي ليس فيه كتل متماسكة، بل بجهد يجب أن تقوده الحكومة الحالية لإعادة تشكيل الحياة السياسية بحيث تتمحور حول أحزاب برامجية تسعى من خلالها لكسب أصوات الشعب والحصول على الأغلبية البرلمانية، وهذا يتطلب قانون انتخاب تمثيليا لا يمنع بالضرورة الترشح الانفرادي لعضوية مجلس النواب، ولكنه يشجع القوائم الحزبية التي تتشكل حول برامج وطنية وعملية تخدم المواطن على الأرض، قانون انتخاب يستوعب وعي المواطن كما مارسه على الدوار الرابع ويقوم على مفهوم المواطنة، يمنع الإقصاء ويحرص على مشاركة الجميع.
من المهم الإشارة هنا إلى تصريح الملك للصحفيين قبيل إسقاط الحكومة السابقة بأنه اضطر للقيام بعمل الحكومات في حين أن دوره هو حفظ التوازن بين السلطات الثلاث، وهذا تصريح تاريخي لجهة فهم والتزام الملك بدوره الدستوري، وهو إشارة واضحة على أن الملك يحث ويدعو ويقبل إعادة تشكيل الحياة السياسية نحو حكومات برلمانية كاملة الصلاحية، وأنه ليس معنياً بمشاركته لصلاحياتها، وهذا يمثل توفر الإرادة السياسية للإصلاح السياسي والالتزام بالدستور، وفي هذا السياق يفهم تصريح رئيس الوزراء المكلف أمام أعضاء البرلمان أمس، بأن الحكومة البرلمانية التي أشارت لها الأوراق الملكية النقاشية لا يجوز أن تظل شعاراً، ولهذا فإنه دعا لإطلاق حوار وطني للوصول إلى ميثاق يضمن تحقق الحكومات البرلمانية.
تغيير النهج إذاً يحتاج إلى إصلاح اقتصادي يواكب إصلاحاً سياسياً بهدف إعادة تشكيل الحياة السياسية بحيث تتمحور حول أحزاب فاعلة، وهذا أمر يحتاج الى وقت وإلى توافق وطني سياسي اقتصادي أمني من جانب، وأيضا إلى نهوضٍ نوعي للأحزاب بحيث تستبدل الشعارات ببرامج عملية تؤهلها لثقة الناس فتشكل الأغلبية منها الحكومة وتكون الأقلية منها حكومة ظل.
البعض يكره الأمل، يتحدث كثيرا عن ظلمة النفق، حتى إن رأى وميضاً آخر النفق انتفض كمن أصابه مَس من جن، وهب كعاصفة مرعوبة يبحث تحت اللامعقول ليقول: "تسك ما رح تزبط". ولكن عندما يكون الشعب صاحب "الأوَلَه" في المشاركة السياسية المسؤولة على الدوار الرابع، وعندما يقول الملك تعلمت من والدي أن أكون مع الشعب، وعندما يذهب ولي العهد ليقول للدرك "يعطيكم العافية.. أهم إشي نحمي المواطنين، وهم بعبروا عن رأيهم"، وعندما يشكل الرئيس بشخصه وسلوكه بارقة أمل، عندها نفهم أن تغيير النهج عملية تكاملية لن تنزل علينا بالبراشوت بل تبدأ بكل واحد فينا في موقعه وفي سلوكه وتعاطيه مع الوطن، ويجعلنا بأمل كبير نردد.. الأردن أقوى من الصعاب، والتمام على خير.

التعليق