مخاطر التدخين في المؤسسات التعليمية

تم نشره في الأربعاء 13 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

د. جودت أحمد المساعيد

يمثل انتشار ظاهرة التدخين بين طلبة المدارس بالذات، خطورة وطنية وقومية جسيمة، لأنها لا تمس حاضر أبناء الأجيال الحالية ومستقبلهم فحسب، بل وسيكون أيضاً لها الأثر السلبي الكبير على بناء المجتمع وتطوره. فإذا ما شاعت ظاهرة التدخين بين طلبة العلم خاصةً، فإن آثارها السلبية تعم بشكل واسع على العائلات التي انطلقوا منها، لا سيما إذا علمنا بأنهم يمثلون في الغالب نسبة الثلث في الدول التي ينتشر فيها التعليم بكثرة كالعديد من الأقطار العربية وما بين 60 % و70 % من ذوي الأعمار الفتية في المجتمع، مما يؤكد الحقيقة القائلة إن تعرض صحة هذه النسبة العالية من أفراد المجتمع الى الخطر يصبح شبه حتمي على المديين القصير والبعيد، بحيث لا يمكن الهروب منها، مما يؤثر سلباً على فعالية الإنتاج ويضعف بالتالي من كميته ونوعيته، ويجعل المجتمع في الغالب عاجزاً عن تحقيق متطلباته الأساسية، ومعتمداً على الشعوب والأمم الأخرى في تلبيتها، وما يترتب على ذلك من خطورة الوقوع تحت رحمة الآخرين في العيش ومطالبه المتنوعة.
وإذا أصبحت ظاهرة التدخين عادة شائعة بين فئة من طلبة المدارس والمعاهد والجامعات، فإنهم يحاولون إخفاء ممارسة هذه العادة عن الآخرين من المسؤولين وأولياء الأمور، وذلك خوفاً من ردود الفعل العنيفة أحياناً من جانبهم، مما يزيد من عدد الخلوات الفردية أو الجماعية وطول فتراتها الزمنية وضياع الوقت بعيداً عن الأنظار، من أجل اللقـاء برفاق السن وممارسة عادة التدخين الضارة. وغالباً ما يلجأ هؤلاء الطلبة الى الكذب والتحايل وخلق الأعذار الواهية من أجل القيام بزيارة زملائهم بحجة الدراسة معهم أو اللعب برفقتهم أو الاطمئنان على صحتهم، مما سيؤدي الى ظهور عادات سلبية جديدة تؤثر في سلوكهم وتصرفاتهم مستقبلاً من جهة، ويعملون على ضياع الوقت الذي ينبغي أن يتم تخصيصه للدراسة والبحث والقيام بالأعمال والمناشط النافعة للفرد والمجتمع على حد سواء من جهة ثانية.
وتزداد النتائج السلبية التربوية بانتشار ظاهرة التدخين بين الطلبة؛ حيث يندر قيام هؤلاء بواجباتهم الدراسية المطلوبة حسب المستوى المنشود. فبدلاً من ذلك، يلجأ قطاع لا بأس به منهم الى الغش أو الاعتماد على الآخرين، مستخدمين في ذلك وسائل الترغيب والترهيب المختلفة مع زملائهم المتفوقين، الذين يطالبونهم بالقيام بدلاً منهم بالواجبات المدرسية البيتية أو تسليمها لهم لنقلها من دون عناء تفكير. ومع ذلك، فسوف يتم في نهاية المطاف الكشف عن أوضاعهم الحقيقية ومستوياتهم الواقعية، مهما حاولوا التستر عليها، وإذا ما حاول المعلمون توجيههم وإرشادهم الى ضرورة القيام بتلك الواجبات، فإنهم يتخذون في الغالب موقفاً سلبياً يتمثل في عدم التعاون معهم، والاشمئزاز من المقررات الدراسية التي يعلمونهم إياها، بل ويكرهون المدرسة أحياناً ويفكرون في تركها جدياً، مما قد يرفع من نسبة المتسربين منها في أوقات مبكرة وقبيل إنهاء فترة التعليم الأساسي الإلزامية، مما يزيد من عدد غير المثقفين في المجتمع.
كذلك توجد آثار تربوية سيئة أخرى على الطلبة المدخنين، تتمثل في ضعف قيامهم بالأنشطة الرياضية المطلوبة في المؤسسات التربوية المختلفة، وذلك نظراً للآثار الصحية السلبية التي تتركها عملية التدخين عليهم حاضراً ومستقبلاً. فلو تصورنا مثلاً أن شخصاً ما بدأ بممارسة عادة التدخين وهو في سن الخامسة عشرة، واستمر طيلة حياته التي ربما امتدت حتى الخامسة والستين، فيكون بالتالي قد مارس ظاهرة التدخين الضارة لمدة نصف قرن كامل، أكلت الأخضر واليابس من عمره وماله. فالمال ليس بكثرته بل بمجالات إنفاقه، والعمر ليس بطوله بل بفترات الصحة والعافية التي يمضيها الفرد مسروراً من هذه الناحية، ذلك العمر الذي قد يعيشه من يمارس عادة التدخين وبخاصة في الثلث الأخير منه طريح الفراش ومتنقلاً بين البيت وعيادات الأطباء والمستشفيات.
والأخطر من هذا كله، هو انتقال من يمارس عادة التدخين من فئة الشباب والمراهقين، الى ممارسة عادات أخرى أشد فتكاً بالصحة وتدميراً للمجتمع بمصادره المادية والبشرية، فقد يفكر من تحلو له هذه العادة الضارة أن ينتقل عن طريق رفاق السوء الى تعاطي الكحول ومن ثم تعاطي المخدارت، مما يفتح الباب على مصراعيه لمشكلات أكثر خطورة على الفرد والعائلة والمجتمع، فقد تبين من البحوث العديدة التي أُجريت والمقابلات الكثيرة التي تمت مع متعاطي المخدرات والكحول، أنهم تناولوها بعد أن مروا بخبرة التدخين أولاً.
ورغم أن انتشار ظاهرة التدخين بين طلبة المدارس والمعاهد والجامعات العربية تبقى في الغالب أقل نسبياً مما هي عليه في الدول الأخرى شرقاً وغرباً، إلا أن آثارها المختلفة والضارة جسمياً واقتصادياً وتربوياً، تمثل أمانة في أعناق الأطباء والمتخصصين في التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع، بالإضافة إلى أولياء الأمور والمسؤولين في وسائل الإعلام، حتى يتعاون الجميع من أجل التصدي لهذه الظاهرة المؤذية، ومحاولة منع استمرار انتشارها أو التخفيف من حدتها الى أقصى درجة ممكنة. أما عن المقترحات التربوية الملائمة لظاهرة التدخين الضارة، فسوف تكون محور مقالة أخرى بإذن الله تعالى.

التعليق