لماذا "أميركا أولاً" تعني "أوروبا متحدة"؟

تم نشره في الثلاثاء 12 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً

غاي فرهوفشتات*

بروكسل- كان من الحجج الرئيسة التي سيقت في معرض تأييد انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي القول إن بريطانيا ستصبح قادرة على التفاوض على اتفاقيات تجارية أفضل مع الدول الأخرى -حتى مع أوروبا- إن تفاوضت هي وحدها. ووفقاً لما ذكره مؤيدو الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، ومنهم وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، فإنه نظراً للانقسام الشديد بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بسبب أزماتها الخاصة التي استنزفتها لدرجة جعلتها غير قادرة على الدفاع عن تكامل المشروع الأوروبي "فليس هناك إلا سبيل واحد للحصول على التغيير الذي نبتغيه -هو التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي".
ولكن، مع تبقي أقل من عام على "يوم الخروج" -أي انتهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي رسمياً- أصبح واضحاً أن آمال الحكومة البريطانية بإحداث انقسام في الاقتصاد الأوروبي وغزوه قد تحطمت. فقد حافظت دول الاتحاد الأوروبي على وحدتها خلال مراحل مفاوضات الخروج البريطاني بصورة مبهرة. وعلى الرغم من أن الخروج البريطاني في حد ذاته ليس مدعاة للفرح والاحتفال، فقد أظهرت عملية التفاوض بهذا الشأن أن أوروبا تكون أقوى عند التحديات.
يبدو الاتحاد الأوروبي لكثير من الأوروبيين وكأنه عاد من الموت. فمن خلال خطوات متأنية، لكنها واثقة، أظهر كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل -وهما أقوى زعيمين في الكتلة- علامات للتعاون بهدف إنجاز إصلاحات تأخرت طويلاً على مستوى الاتحاد الأوروبي.
فضلاً عن ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى ارتفاع التأييد للاتحاد الأوروبي الآن إلى أعلى مستوى له خلال عقود، على الرغم من تكوين ائتلاف حكومي في إيطاليا مناهض للمؤسسة، وصعود الأحزاب الشعبوية في مختلف أنحاء أوروبا. ووفقاً لدراسة استقصائية حديثة أجراها برنامج يوروباروميتر، سوف يصوت 83 % من الأوروبيين لصالح البقاء في الكتلة حال عقد استفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي اليوم، كما ينظر 60 % من الأوروبيين، وهو رقم قياسي، إلى عضوية الاتحاد الأوروبي على أنها "شيء جيد" لبلادهم.
بمعنى آخر، إذا كانت الشعبوية قادرة بالتأكيد على وضع بذور الانقسامات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، فلا يوجد دليل على أن البريكسيت في حد ذاته قد سبب تأثيراً جماعياً متعاقباً بين الدول الأخرى إلا قليلاً. وقد تروق لمتزعم فكرة البريكسيت، نايجل فاراج، الاعتقاد بأن حكومة إيطاليا الشعبوية الجديدة تمثل نجاحاً للنوع الذي يفضله من القومية التي تعمل بمفردها بدون تدخل، وإنما يتبين لنا أن الشعبويين في أوروبا ينتمون إلى سلالة مختلفة عن تلك التي ينحدر منها الشعبويون في بريطانيا. فعلى الرغم من زيادة تقلب الأسواق المالية في ظل احتمالية أن يقود زعماء إيطاليا الجدد بلادهم خارج منطقة اليورو، أظهرت الاستطلاعات التي أجربت بعد الانتخابات في آذار (مارس) أن نسبة 60-72 % من الإيطاليين لن يساندوا خطوة كهذه.
إلا أن الاستطلاعات الأخيرة تكشف أيضا تناقضاً أكبر بشأن المسار الحالي للاتحاد الأوروبي؛ حيث يعتقد 32 % فقط من المواطنين أن "الأشياء تسير في الاتجاه الصحيح" في الاتحاد الأوروبي، بينما يرى 42 % أن الكتلة تسير في الطريق الخاطئ. فالمسألة إذن لغالبية الأوروبيين لا تتعلق باحتمالية تدمير الاتحاد الأوروبي، فهذا غير وارد، وإنما بكيفية تحسينه. وقد أخفق الاتحاد الأوروبي في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بسبب التأثيرات المتمادية للأزمة المالية في العام 2008 وما تلاها من أزمة بمنطقة اليورو. ولكن، أضحى لدى الاتحاد الآن نافذة لفرصة التحرك، لأن كثيرين في الاتحاد الأوروبي بدأوا يدركون أخيراً حقيقة خطورة الواقع الجيوسياسي الجديد لأوروبا.
على أي حال، يتضاءل تحدي الوحدة الذي أوجده البريكسيت أمام الكتلة الأوروبية مقارنة بالتحدي الذي خلقه دونالد ترامب. فاستخفاف الرئيس الأميركي بحلف الناتو، والكشف أكثر من مرة عن اتصالات حملته الانتخابية بشخصيات روسية على صلة بالكرملين قبل انتخابات 2016، أوضحت تماما أن الأوروبيين لا يمكنهم فيما بعد الاعتماد على الولايات المتحدة وحدها فيما يتعلق بأمنهم.
علاوة على ذلك، أسهم قرار ترامب الخاص بإخضاع الاتحاد الأوروبي (وغيره من الحلفاء الآخرين للولايات المتحدة مثل كندا والمكسيك) لرسوم استيراد على الصلب والألمنيوم في توحيد زعماء أوروبا في الشعور بالغضب والاشمئزاز. كما أن اقتراحه بضرورة تطهير شوارع الولايات المتحدة من السيارات الألمانية -رغم حقيقة أن كثيراً من السيارات "الألمانية" تُبنى بالفعل في الولايات الأميركية نفسها التي يستمد منها الدعم والتأييد- قد يساعد الألمان على إدراك حاجتهم إلى مساعدة الأوروبيين لحماية صناعة السيارات لديهم.
وبالتالي، فقد أتاحت رسوم ترامب فرصة مثالية لحكومة الائتلاف الكبير في ألمانيا كي تتقارب وتلتقي مع ماكرون في منتصف الطريق بشأن مقترحاته الطموحة لإصلاح الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو. فقد حان الوقت لأن تكون ألمانيا أكثر تفتحاً وتفهماً لاحتياجات دول جنوب أوروبا.
تمثل سياسات ترامب القائمة على شعاره "أميركا أولاً" عودة مضلَّلة إلى القومية وسياسات الحماية السافرة التي تنتمي إلى عصر ولى؛ حيث تخلق تهديداً مباشراً للنظام العالمي في فترة ما بعد الحرب الذي رسخ مبادئ الرخاء والاستقرار طيلة 73 عاماً. بل قد تكون هذه المبادئ في حد ذاتها أيضاً هي ما تحتاجه عملية التكامل الأوروبي الراكدة منذ زمن طويل.
يجد ترامب متعة وابتهاجاً في الفوضى التي ينثر بذورها؛ إذ يعتبر العلاقات الدولية لعبة محصلتها صفر للفائزين والخاسرين. وحينما تصل سياساته الخارجية والتجارية لحد الوضوح من أي جانب، فإنها تأخذ شكل المعاملات التجارية. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن نهج التعامل الذي يتبعه الاتحاد الأوروبي يقوم على التعاون والتوافق. وبما أن هاتين الرؤيتين العالميتين متصادمتان، فمن المحتمل أن تكتسب كل منهما زخماً خاصاً بها.
بالإضافة إلى البريكست وترامب، هناك أيضاً ظواهر أخرى تغير في النظام العالمي حالياً وتقلبه رأساً على عقب، مثل انتقامية الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، والتأكيد المتنامي على الذات من جانب الصين. لكن، وكما ندرك جيداً نحن معشر الأوروبيين، فإنه لا شيء قادر على تحريك الأشياء مجدداً مثل الأزمات. وقد تحاشينا القرارات الصعبة لعقود، والآن يجب أن نقرر ما نريد أن تكون عليه أوروبا في العام 2050 وما بعده.

*رئيس وزراء بلجيكا الأسبق، ورئيس تحالف الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا (ALDE) في البرلمان الأوروبي، ومؤلف كتاب "آخر فرصة لأوروبا: لماذا يتعين على الدول الأوروبية تشكيل اتحاد أكثر مثالية".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق