رحيل التشكيلي عزيز عمورة: معاينة الإرث الحضاري بعين معاصرة

تم نشره في الثلاثاء 12 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً
  • الفنان التشكيلي الراحل عزيز عمورة أمام إحدى لوحاته - (أرشيفية)

عمان-الغد- غيّب الموت أمس، الفنان التشكيلي عزيز عمورة عن عمر يناهز 73 عاما.
 ونعت وزارة الثقافة الفنان الراحل الذي يعد من القامات الإبداعية المتميزة التي قدمت للمشهد التشكيلي الأردني والعربي الكثير من المعارض الشخصية والمشتركة، إضافة إلى اهتمامه بالكثير من المواهب الفنية والطاقات الشبابية من خلال عمله في كليات الفنون في الجامعات الأردنية.
من تبسيط الشكل ورشاقة اللون في منحاهما الانطباعي، مرورا بإغراءات سحر الضوء والظل في المدرسة الهولندية مع (رامبرانت)، إضافة إلى انجذابه لسيكولوجية التشويه عند فرنسيس بيكون؛ راح الفنان عزيز عمورة يخطّ لنفسه أفاقاً جديدة مفتوحةً على حداثة الفن التشخيصي، بحسب الفنان التشكيلي والناقد غسان مفاضلة.
ويضيف أنه ومع الربع الأخير من سبعينيات القرن الماضي، بدأ حضور الإنسان في أعماله يأخذ منحىً مبسطاً على المساحات الصامتة المتشحة بالألوان الترابية. ليبدأ بعد ذلك بطرح الملامح الحروفية في خلفيات لوحاته، والتي قادته بدورها إلى تحويرات متنوعة في العمل الواحد، معتمدا على الأحبار والتحبير.
ولم يقف الفنان الأردني المعاصر عمورة في تعامله مع مخزون تراثه الحضاري، الذي شكّل له على الدوام رافداً تعبيرياً وجمالياً لا ينضب، موقفاً سكونياً يعتمد على التلقي والتقليد، بل راح في منجزه التشكيلي، يحاور مكونات مخزونه التراثي بعين مفتوحة على الحاضر، وهي تعاين أصداء الرنين المتحدّر من جرس الزمان الموشوم بذاكرة المكان؛ فكان الاستلهام، وكانت الإضافة والتجاوز، وجهته طيلة أزيد من أربعة عقود في معاينة إرثه الحضاري بعينٍ معاصرة؛ عينٌ تنشد مقاربات المسافة بين ذاته، وبين مرجعياتها الحداثوية التي تنافذت مع جذورها الشرقية، ومع موروثات حضارتها العربية والإسلامية.
ونظم الفنان الراحل الكثير من المعارض الشخصية والجماعية منذ العام 1974 في عمان، و نيويورك، والكويت، وقبرص، وتركيا، كما حصل على العديد من الجوائز منها: جائزة الشراع الذهبي، الكويت، 1985، ومنحة وكالة الإنماء الدولية الأميركية، 1987، وجائزة الدولة التقديرية، الأردن، 1992.
وعزيز عمورة، مواليد بلدة الطيرة في فلسطين العام 1944، وحصل على بكالوريوس فنون جميلة من أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد العام 1970، وماجستير فنون جميلة من معهد برات في نيويورك في العام 1983.
عمل معلماً للتربية الفنية في وزارة التربية والتعليم، وفي معهد المعلمين، انتقل بعدها الى التدريس في كلية التربية والفنون بجامعة اليرموك، وفي كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية.
ويقول عمورة في إحدى شهاداته عن رحلته مع اللوحة واللون "تبدأ الدهشة عندنا منذ الطفولة المبكرة، وقد بدأت بتحسس القضايا الجمالية فيما كنت أراه معلقاً على جدران بيوتنا المتواضعة، من حافظات مصاحف من القماش المطرز، والصور الفوتوغرافية (الأبيض والأسود)، وفي ملابس أخواتنا الأكبر عمراً المملوءة بالتطريز، وبقايا السجاد العجمي الذي حمل مع النزوح القسري سنة 1948، ثم في الأساور الفضية وساعات الجيب المحلاة بالنحت والكتابة البارزة، إضافة إلى بقايا الصور الذهنية منذ الطفولة لجبل الكرمل حيث ولدت، وامتداد كروم الزيتون الممتدة على بعد كيلومترات قليلة، والتي يمكن بعدها رؤية مياه المتوسط الزرقاء التركوازية المتلألئة".
ويضيف "كل هذه الصور الجمالية الممزوجة بالوجع المؤلم جداً، سنراها لاحقاً في أعمال بدايات السبعينيات ثم تعود وبقسوة في بدايات الثمانينيات بعد مذبحة صبرا وشاتيلا، وما يزال الذبح مستمراً، ولكنه يأخذ أشكالاً أخرى تنسجم مع العصرنة والتكنولوجيا والمعلوماتية والعولمة".
ويزيد "كان أول مفصل لي مع حالة الإبداع والخيال، وتحقيق الحلم عمل الطائرات الورقية وسيارات الأسلاك، ورسم الخرائط المدرسية الملونة، ثم الرسم عن الصور الفوتوغرافية بواقعية متناهية بمادة الفحم متأثراً بخال لي يتخذها كمهنة وسبيلا للعيش".
ويبين عمورة أن ذلك في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي "حيث كنت أتقاضى عندها خمسة دنانير للصورة، حين كان راتب المعلم الشهري اثني عشر دينارا، وهكذا سيكون، لاحقاً، عاملاً مقنعاً للأهل لدراسة الفنون التشكيلية والاستقالة من الوظيفة".

التعليق