راهن على كل الصندوق

تم نشره في الأربعاء 13 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً

معاريف

بن كسبيت  13/6/2018

من الصعب على المرء الا ينفعل لرؤية صور دونالد ترامب وكيم يونغ اون يتصافحان، ويكادان يتعانقان في سنغافورة، بعد أشهر قليلة من تبادلهما التهديدات. لا شك أن هذا كان حدثا تاريخيا من الناحية الفنية أيضا (لأول مرة يلتقي فيها رئيس أميركي حاكما كوريا شماليا) ومن الناحية الجوهرية أيضا. فرياح الحرب استبدلت بأجراس السلام، ولا يصدق ما يحصل ويتحقق أمام عيوننا. "العجوز الاشمط" يصافح "رجل الصواريخ الصغير" ويعطيان الانطباع بأنهما لتوهما سينتقلان للسكن معا.

عندما ستتبدد سحب النشوى سنبقى مع تساؤلات قاسية ومصادر قلق غير بسيطة. وهذا انعكس في البيان الصحيح والجاف الذي نشره رئيس الوزراء نتنياهو، بتأخير ساعات طويلة، بعد القمة. لو كنت نتنياهو، لكنت أنا أيضا سأقلق. فقد سافر رئيس الولايات المتحدة أمس نصف العالم كي يلتقي دكتاتورا شتمه، طوّر صواريخ باليستية، هدده بالنووي، خرق كل الاتفاقات التي وقع عليها، حاز على سلاح نووي، يقمع مواطنيه، وكل هذا مقابل تصريح غامض وعديم الاهمية. بيل كلينتون، قبل 23 سنة حصل على تصريح أفضل من هذا، دون أن يدفع الثمن. كلينتون الليبرالي، المسالم، لم يتصور نفسه يسافر للقاء والد كيم. اما ترامب فجاء هرولة وكاد يذوب أمام الرجل الذي يهدد العالم. 

ما فعله ترامب أمس يتعارض تماما وفكر نتنياهو. فكيف يمكن شرح الفرق بين سلوك ترامب في موضوع كوريا الشمالية وبين سلوكه حيال إيران؟ فإيران خاضت مفاوضات مع العالم، وقعت على اتفاق مفصل ولم تخرقه. استوفت كل الشروط، المراقبات والمطالبات وسحبت برنامجها النووي إلى الوراء، ورغم ذلك جعلك ترامب الاتفاق والقى به إلى مهب الريح. أما مع الكوري، الذي سبق أن خرق كل الاتفاقات ووصل إلى النووي، فقد تراجع وانثنى انثناء فاخرا. أمس، دون ان ننتبه إلى هذا كثيرا قال ترامب ان إيران لم تعد إيران، فقد غيرت موقفها من الشرق الاوسط ويجدر بها أن تعود إلى المفاوضات. والان، تصوروا ان تعود إيران إلى طاولة المفاوضات ويطلب روحاني لقاء ترامب. فمع كل الاحترام لكيم، فلمحمد جواد ظريف سحر شخصي أكبر بكثير. فمن يضمن لنا الا يقع ترامب مرة اخرى في فخ العسل هذا؟

تصوروا ان ليس ترامب هو الذي سافر امس إلى سنغافورة بل براك حسين اوباما. فأي حمام كان سيلقاه من اليمين الأميركي. أي خائن سيجعلون منه. ففي نهاية اليوم كان المنتصر الاكبر ليوم امس هو كيم يونغ اون. فاذا تبين بالفعل بان كوريا الشمالية تسير حقا نحو التحلل من سلاحها النووي، فإن دونالد ترامب يستحق نيل جائزة نوبل للسلام، بل ومن ناحيتي ان يسمى مبنى الامم المتحدة في نيويورك "برج ترامب". ولكن، وتوجد هنا لكن كبيرة جدا، يحتمل أن ينتهي هذا بالضبط مثلما في المرة السابقة، وعندها سيتبين أن دونالد ترامب قدم امس لكيم يونغ اون شرف الملوك دون أي مبرر.

كما حصل كيم على وقف للمناورات العسكرية الأميركية في الجنوب، على شرعية دولية بكميات تجارية، فرصة تصوير اعتبارية ومكانة مشابهة لمكانة الرجل الاقوى في العالم. كل رئيس أميركي آخر كان مسؤولا عن مثل هذه القصة، كان سيوقف إلى عمود العار. لقد تلقى ترامب أمس بعض الضربات من الجناح اليميني في حزبه، ولكنه نجا منها. هذا هو الفرق كله. هذا بالضبط هو مثلما هو عندنا: يمكن لليسار أن يصنع الحرب، اما اليمين فيمكنه أن يصنع السلام. وليس العكس.

وبعد أن قلنا كل هذا ، ينبغي التشديد: القمة التاريخية في سنغافورة اثارت امس مشاعر الجماهير وخلقت املا في عصر جديد في شبه الجزيرة الكورية وبشكل عام. وقد اتيحت اساسا بفضل التفكير من خارج العلبة من جانب ترامب، وعلينا كلنا ان نصلي بان ينجح هذا. إذ في النهاية اكثر من أي شيء آخر، كان هذا رهانا على كل الصندوق. ترامب يفهم شيئا ما في المراهنات وحقق غير قليل من المال في الكازينوهات. ومع ذلك، عندما اشترى تاج محل في اتلنتيك سيتي، افلس لان هذا كان كبيرا عليه. حبذا الا يحصل هذا هذه المرة أيضا.

التعليق