ترامب سجل إنجازا رمزيا وفشل جوهريا

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً
  • الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الكوري الشمالي خلال قمة جمعتهما في سنغافورة أول من أمس.-(ا ف ب)

هآرتس

حيمي شليف  13/6/2018

قال ذات مرة مناحيم بيغين إن "صعوبات السلام أفضل من آلام الحرب". بهذا المعنى فإن القمة بين دونالد ترامب وكيم جونغ أون التي تم عقدها صباح الثلاثاء في سنغافورة هي بشرى للإنسانية. زعيمان كانا قبل أشهر معدودة قد هددا بعضهما بكارثة نووية، عقدا لقاء وديا وتعهدا بتحسين العلاقة بينهما والسعي إلى السلام. في العالم الذي فيه الشكل أهم احيانا من المضمون، يدور الحديث عن إنجاز مثير للانطباع، والذي في يوم ما سيعتبر تاريخيا. 

ولكن الرغبة الطبيعية لتسوية النزاعات بالطرق الدبلوماسية، والاعتراف بأنه، أحيانا، أهمية اللقاء هي في مجرد عقده، دون الحديث عن ميل الإعلام إلى تضخيم الأحداث إلى أبعاد غير واقعية، لا يمكنه إخفاء حقيقة أن المنتصر الأكبر في سنغافورة لم يكن رئيس الدولة الديمقراطية الأكبر في العالم، بل طاغية قاتل من إحدى الدول الظلامية في العالم.

كيم حظي بالشرعية والاحترام والمجاملات والعناق من رئيس الولايات المتحدة، دون التنازل عن أي شيء. ترامب غمره بالمديح ووصفه بأنه زعيم حكيم ومسؤول وكفؤ. في مقابلة مع شبكة "إي.بي.سي" ادعى ترامب بأنه يبدو أن شعب كيم "يحبه بحماسة شديدة" وكأن كوريا الشمالية هي ديمقراطية مشتعلة وليست دولة معسكرات الاعتقال والقمع والإعدامات السياسية.

في إعلان المبادئ الذي وقع عليه الزعيمان، منح ترامب كيم "ضمانات أمنية"، التي تعني مصادقة أميركية على نظامه الفظيع. الرئيس الأميركي واصل منح كيم هدايا مجانية أيضا في المؤتمر الصحفي الذي عقد في نهاية المحادثات. دون أن يبلغ مسبقا البنتاغون أو حلفائه في سيئول، أعلن ترامب عن وقف المناورات العسكرية المشتركة في كوريا الجنوبية، حتى أنه سماها بـ "استفزازية"، وهذا تعبير معتاد عليه من قبل رجال الدعاية في بيونغ يانغ. واضاف أنه ينوي في نهاية الأمر سحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية وهو الهدف الذي سعى إليه كل زعماء كوريا الشمالية منذ انتهاء الحرب الكورية قبل 65 سنة.

كيم وترامب قدما عرضا جيدا للإعلام، لكن من ناحية جوهرية الجبل تمخض فولد فأرا. بقدر ما كان الظهور الاستعراضي كبيرا، كانت الانجازات الاساسية صغيرة. على الرغم من محاولات ترامب لتعظيم وتمجيد صيغة الإعلان المشترك الذي وقع عليه مع كيم، إلا أن الأمر يتعلق بوثيقة عامة وفارغة، وربما كان من الأفضل لترامب أن لا يوقع عليها أبدا. منذ العام 1992 توافق كوريا الشمالية على "نزع سلاح شبه الجزيرة الكورية"، من السلاح النووي، كما يظهر في الصيغة التي وقع عليها الآن كيم.

علاوة على ذلك، فقد تميز البيان أكثر بما ليس فيه مما يوجد فيه. خلافا للتعهدات التي اخذتها بيونغ يانغ على نفسها في الماضي، فليس هناك في البيان كلمة عن استعداد كوريا الشمالية للانضمام من جديد لميثاق منع نشر السلاح النووي؛ وليس فيه كلمة واحدة عن وسائل للتحقق من تنفيذ تعهدات كوريا الشمالية والرقابة عليها؛ كما لا يوجد فيه أيضا كلمة واحدة عن وقف انتاج البلوتونيوم أو جهود التوصل إلى القنبلة الهيدروجينية.

في المؤتمر الصحفي قال ترامب إن كيم قدم تعهدات شفوية لتفكيك قواعد انتاج محركات الصواريخ. ولكن ليس هناك أي كلمة عن ذلك في البيان المشترك. هذا رغم أن تطوير القدرة القارية لصواريخ الشمال هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى البحث عن حل سياسي للتهديد المتزايد الموجه ضدها. 

وقد تجاهل البيان أيضا تماما خرق حقوق الانسان من قبل نظام كوريا الشمالية، وبالتأكيد ليس فيه أي اشارة إلى أن كيم ينوي حقا تحرير شعبه من الاضطهاد ومن العوز. بناء على ذلك: كيم تلقى من ترامب ختم الصلاحية على مواصلة طريقه الاستبدادية.

ترامب ربما أنه اعتقد أن القمة ستسكت منتقديه، وتثبت قدراته الفريدة في "فن الصفقات" وتثبت تفوقه على سلفه. لقد حاول تفصيل انجازاته في المؤتمر الصحفي، لكنّ غياب هذه الانجازات، اضافة إلى عدم إلمامه بالتفاصيل، خلق أقوالا متفرقة ذكرت بصيغة نبوءة "النبي الممل" في فيلم "حياة بريان" لمونتي بايتون: "سيأتي يوم تكون فيه شائعات عن أمور لا تنجح، ويكون هناك تشويش كبير بخصوص وضع الأمور في نصابها، ولا أحد يعرف ماذا سيحدث مع الأمور الصغيرة".

أكثر من تحليل للوقائع، فإن تبجح ترامب كان سيعتبر معلومات خيالية، التي ذكرها كيم في بداية محادثاته مع الرئيس.

نتائج قمة سنغافورة والبعد بينها وبين التوقعات العالية التي خلقها ترامب قبلها، لم تخفف الانتقاد الذي تعرض له الرئيس على سلوكه في قمة "جي سبعة"، بل ستزيده. الفجوة بين اللعوب المتحمس الذي يمثله ترامب وبين الطاغية من بيونغ يانغ، مقابل تنكيله بجستين ترودو الكندي، زعيم الحليفة الاقرب للولايات المتحدة، فقد اصبح اكثر فظاظة واثارة. ترامب أيضا لم يأخذ أي عبرة: في الوقت الذي كان يثني فيه على صديقه الجديد كيم، واصل ضرب ترودو أيضا من سنغافورة وقال "إنه سيدفع المزيد من المال" على مواقفه في موضوع ضرائب الحماية.

من المفهوم أنه بقي أمل أن تثمر المحادثات العتيدة بين وزير الخارجية مايك مومبايو وبين ممثل كبير من كوريا الشمالية، اتفاقات اكثر عملية. اذا صدقنا ترامب فإن كيم سيتخذ في المستقبل القريب خطوات ستثبت حسن نواياه: خطوات كهذه اذا كانت مقنعة، ستسجل القمة كنجاح كبير اكثر مما تبدو عليه اليوم. في هذه الاثناء، مع ذلك، فإن الانجازات الوهمية لترامب تضع محط الهزء استهزاءه المتواصل بالاتفاق النووي مع إيران، وهو احد الاتفاقات المتشددة والمفصلة التي وقعت في يوم ما لتقييد التزود بالسلاح النووي. اذا قمنا بالمقارنة التي تحولت إلى كليشيه، لو أن باراك اوباما عاد من سنغافورة مع بيان شامل وفارغ مثل الذي وقع عليه ترامب لكانوا اتهموه بالاستخذاء امام الديكتاتور اذا لم يكن خيانة الوطن.

عندما سيعود ترامب إلى الولايات المتحدة ويقرأ عناوين الصحف، سيصاب بخيبة أمل شديدة. سيكتشف أن الواقع مر وأن منتقديه يواصلون ضربه بلا رحمة وأن جزءا بارزا من مؤيديه باستثناء شبكة فوكس بالطبع، يملؤون أفواههم بالماء بسبب كثرة الاحراج. الآن يجب البدء بالاهتمام بكيفية رده على الإحباط ومن هو الذي سيقع عليه غضبه لأنه عرض ثانية كهاو ودجال.

التعليق