علاء الدين أبو زينة

عيد مختلف في الأردن..؟

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2018. 12:07 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2018. 12:54 صباحاً

لعل ما يميز عيد هذا العام بالتحديد هي الأحداث الوطنية التي شهدها رمضان وما أسفرت عنه. لم تكن حوادث السير وعصبية الصائمين والمشاجرات هي محل التركيز –ولو أنها لا تنفصل في النهاية عن موضوع الأحداث- وإنما الاحتجاجات الشعبية على "سياسات التقشف" الحكومية، كما يسميها المراقبون في الخارج. وقد أشاعت الاستجابة الرسمية روحية إيجابية بشكل خاص في البلد على أعتاب العيد.

من أبلغ العبارات المتعلقة تلك التي تقول، "كل يوم على السعيد عيد". والسعادة ترتبط في كل العالم بالأمن الشخصي والاجتماعي. ومن غير تحقق شروط قَبلية أساسية للعيش المعقول، فإن العيد وغيره من الأيام تصبح سيان. وتوصف الشعوب السعيدة بأنها تلك التي "لديها حكومة مستقرة، ومستويات منخفضة من الفساد العام، وتحصل على نوعية عاليةٍ من التعليم والرعاية الصحية". ويُفترض أن تنعكس هذه المؤشرات العامة على مكونات السعادة الشخصية، مثل الاستقرار العائلي والإيجابية الذاتية، وانعكاس الحالة النفسية على السلوك الاجتماعي –من نوعية الأداء في العمل، إلى الدماثة والتسامح أو التشاجر والعصبية، إلى التسبب في حوادث السير ومخالفة القوانين أو إطاعتها... وهكذا.

عبر الأردنيون في الاحتجاجات الراقية والسلمية عن مطالب اقتصادية ومباشرة في العناوين العريضة، لكنهم طالبوا أيضاً بما سُمي "التغيير الاجتماعي". والتغيير الاجتماعي في الخطاب الشعبي فضفاض حسب زاوية الرائي. وفي الحقيقة، ربما تتيح تعريفات التغيير الاجتماعي هذه المساحة من تباين الأفهام. وتعرِّف الموسوعة البريطانية التغيير الاجتماعي، بالمفهوم السوسيولوجي، بأنه "تغيير الآليات داخل البنية الاجتماعية، والذي يتميز بحدوث تغيرات في الرموز الثقافية، وقواعد السلوك، والمنظمات الاجتماعية، أو أنظمة القِيم".

عبَّر مزج المطالب الاقتصادية في الاحتجاجات الأخيرة بمطلب التغيير الاجتماعي عن وعي كامن بالعلاقة الحتمية بين الأداء الاقتصادي والتكوين الاجتماعي، وعلاقاتهما بالقرار السياسي أيضاً. ولا يصعب في الحقيقة تعقب الاختلالات في الاقتصاد الأردني إلى أصولها في الوحدات الاجتماعية المحملية التي رسمت أطرها السياسات، وحددت ميزاتها وعقلياتها وأداءهاا وتفاعلاتها مع الاقتصاد في نهاية المطاف.

لكن الصعب، مع ذلك، هو الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها، وتحليل علاقاتها، ثم اتخاذ القرار ووضع الآليات لتفكيك البنى والقيم والرموز المحملية التي أصبحت عبئاً واضحاً على أداء البلد ككل. ويجب أن يتم تثقيف المواطنين للمساعدة في التخلص من تكوينات اجتماعية كانت ذات يوم ميزة، لكنها أصبحت نفسها عائقاً أمام أعضائها أنفسهم. وفي النهاية، لا يستطيع أحد أن يأخذ كل شيء، ويجب أن يتعلم آليات المفاضلة والحساب المنطقي.

بطبيعة الحال، سوف يواجه أي مُصلِح –مهما كان مخلصاً- قوى شد عكسية هائلة، لأن المنظومات المستقرة تكره التغيير. كما أن عدد المحرّمات في مجتمعنا، فيما يبدو، غير قليل على الإطلاق. لكن الحديث عن التغيير الاجتماعي –بالتعريف المذكور- من دون إنزال المقدسات إلى الأرض، سيكون لغواً لا طائل تحته. ويصعب الحديث عن تغيير اقتصادي من النوع الذي نطالب به في الأردن من دون تغيير جذري في العقل الاجتماعي، الشعبي والحكومي على حد سواء، والذي لن يحدث من دون تفكيك المنظومات المعيقة المعروفة.

من العناوين المهمة في التغيير، والتي نتحدث عنها بصراحة، تطوير منظومة التعليم، والسعي إلى الدولة المدنية، وتفعيل مبدأ حكم القانون، باعتبار هذه شروطاً أساسية لخلق دولة عصرية يحبها كل مواطنيها ويندغمون بها. لكننا لم نتفق أبداً على تعريف أيٍّ من هذه المفاهيم، وبالتالي كيف نحققها في البلد. ومن حيث المبدأ، توجد تعريفات هذه المفاهيم في آلاف المراجع، لكن المطلوب منهم تقديم التضحيات وتوسيع النظرة ليسوا راغبين بعد في التنازل لصالح المجموع –ولصالحهم حتماً في نهاية المطاف. فلا يمكن أن يستفيد أحد من فشل بلده.

كما أتصوّر، سوف يعتمد ما يحدث في البلد تالياً على مدى السماح لذوي العقليات والمشروعات الإيجابية بوضع التغيير الاجتماعي، "الآليات داخل البنية الاجتماعية، و... التغيرات (المطلوبة) في الرموز الثقافية، وقواعد السلوك، والمنظمات الاجتماعية، أو أنظمة القِيم" على الطاولة، في علاقتها ببقية المتغيرات في الأردن. ويجب أن يكف الناس عن تناقضاتهم وانتقائيتهم عندما يتعلق الأمر بالتغيير. وقد يكون هذا التصور مثالياً ومفرطاً في التفاؤل، لكننا نأمل أن يتحقق شيء منه، وأن نصبح "شعباً سعيداً" نوعاً ما. 

التعليق