فهد الخيطان

الدولة قبل الحكومة

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2018. 12:08 صباحاً - آخر تعديل في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2018. 12:54 صباحاً

ما يحتاج إليه بلدنا الحبيب في هذه اللحظة التاريخية ليس مزيدا من الديمقراطية والحرية؛ فالفضاء الإلكتروني حول الدول جميعا إلى كيانات شعبوية، حتى غدا سقف الحرية بلا ضوابط أو حدود. ما نحن بأمس الحاجة له، مؤسسات وسلطات ومسؤولين يحظون بالثقة والهيبة.

الأردن صمد في وجه التحديات واجتاز الأخطار التي أحاطت فيه تاريخيا بفضل قوة مؤسساته وشجاعة ورجولة كبار مسؤوليه. ليست الديمقراطية هي التي انقذت الدولة في الخمسينيات أو الستينيات بعد ضياع نصف أراضي المملكة، ولا في أزمة السبعين.

صحيح أن التجربة الديمقراطية الأردنية تحتاج لمشروع هيكلة شامل، لكن ما منح الدولة قوتها على مدار التاريخ هو وجود مؤسسات وشخصيات قيادية نزيهة ونظيفة اليد، وليست المجالس النيابية والمنابر الديمقراطية. عندما كان لدينا أجيال مؤمنة بمشروع الدولة الأردنية، ومستعدة للموت من أجل بقاء الأردن وتقدمه، نجت المملكة من كل الأخطار.

كان علينا أن نساير التطورات العالمية والتحولات الاقتصادية الكونية، ونحافظ على تحالفاتنا الدولية والإقليمية، لكن لماذا نحن دون غيرنا من دول العالم نخسر مكانة مؤسساتنا في عملية الاصلاح الجارية؟ لماذا ينبغي أن تكون الخصخصة على حساب قوة الدولة وحضورها؟

المعركة في الإقليم حاليا هي على مصير الدول؛ أن تبقى أو تفنى. والعامل الحاسم في المواجهة هو مدى قدرة المؤسسات على تحمل الضغوط الداخلية والخارجية.

الأحداث التي شهدها الأردن في الأسبوعين الماضيين كانت لحظة اختبار صعبة لقدرة المؤسسات على إدارة الأزمة. لا أعرف إلى أي مدى نجحنا، لكن ما ظهر في الشارع لا ينبئ بالخير، ولولا الدور الحكيم للمؤسسة الأمنية لواجهنا مأزقا كبيرا.

ثمة شيء كبير يبعث على القلق ويحتاج لتفكير عميق؛ أسبوع من الاحتجاجات لم يستطع معه البرلمان تهدئة الموقف، فاستقالت الحكومة، ولم يكن هذا كافيا أيضا، وكان على رئيس ما يزال في طور التكليف أن يتخذ قرارات سريعة لاحتواء الشارع. كيف يغدو حالنا لو أن الأزمة استمرت دون تجاوب من الشارع، ماذا بقي في جعبة الدولة من حلول لاستعادة الهدوء؟

كان يمكن أن لا نصل لتلك المرحلة الحرجة لو تركنا البرلمان يتعامل مع الحكومة في وقت مبكر ويحجب الثقة عنها. ماذا كان سيحدث؟ سيستعيد النواب ثقة الشارع، ولا يعود هناك حاجة لنزول الناس إلى الميادين للاحتجاج.

في المرحلة المقبلة سنكون أمام وضع معقد؛ حكومة أو رئيس على وجه الدقة يحظى باحترام الشارع، مقابل برلمان فقد كثيرا من شعبيته، لن يتردد عن اتخاذ أي موقف لاستعادة هيبته، ولو على حساب الحكومة الجديدة، وشارع مسكون بتجربة الدوار الرابع، وأكثر استعدادا من قبل للعودة مجددا.

ليس مستبعدا أن تنشأ سلسلة من الأزمات السياسية، فيما مؤسسات الدولة لم تطور بعد مقاربة شاملة للمستقبل. فكل ما لدينا الان حكومة جديدة برأس مقبول شعبيا، ومن حوله مؤسسات وإدارات لم تدرك بعد خطورة ما جرى، وتعجز عن استعادة روح المؤسسة والدولة.

التعليق