دروس من جمهورية فايمار

تم نشره في الخميس 14 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً
  • الزعيم النازي أدولف هتلر مع رئيس الرايخ بول فون هيندينبرغ في العام 1933 – (أرشيفية)

هارولد جيمس*

برينستون - منذ تأسيس جمهورية ألمانيا الاتحادية في العام 1949، يتذكر الألمان بقلق انهيار جمهورية فايمار في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي وصعود النازية. ولكن، مع تزايد الضغوطات على العديد من ديمقراطيات العالم وتصاعد السلطوية، فإن دروس تلك الحقبة يجب أن تتم الاستفادة منها في الأماكن الأخرى أيضاً.
ولنبدأ بحقيقة أن الصدمات الاقتصادية -دوامة التضخم والركود وأزمات البنوك، على سبيل المثال- هي تحديات لكل الحكومات في كل مكان وزمان. ذلك أن انعدام الأمان الاقتصادي والمصاعب تقنع الناس بأن أي نظام يجب أن يكون أفضل من النظام الحالي. وليس هذا الدرس واضحاً من سنوات فايمار فحسب، وإنما أيضاً من العديد من الأبحاث عن المنطق الاقتصادي للديمقراطية.
الدرس المهم الثاني هو أنه في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، يمكن أن يجعل التمثيل النسبي الأمور أكثر سوءاً. فعندما يكون المشهد السياسي في بلد ما مقسماً ومشتتاً، فإن من المرجح أن يؤدي التمثيل النسبي إلى أغلبية انتخابية غير متجانسة، تضم في العادة أحزاباً من أقصى اليسار وأقصى اليمين، والتي تريد رفض "النظام"، لكنها لا تكاد تتفق على أي شيء آخر.
يشكل هذا الدرسان معاً حكمة تقليدية شائعة بين المختصين في العلوم السياسية عندما يتعلق الأمر بتجربة فايمار. وفي كثير من الأحيان، عندما يتم النظر إلى كل درس بمعزل عن الآخر، فإن ذلك يؤدي إلى إحساس خطير بالثقة الزائدة على الحد. فالطرح الأول يعطي الناس شعوراً زائفاً بالأمان بحيث يعتقدون أنه لا يمكن سوى لأزمة اقتصادية خانقة فقط أن تهدد النظام السياسي. ويقود الطرح الثاني الناس إلى افتراض خاطئ بأن الأنظمة التي لا تعتمد على التمثيل النسبي هي في الأساس أنظمة أكثر قوة.
حتى نكافح الثقة الزائدة عن الحد، من المفيد أن ننظر للدروس الثمانية الأخرى من حقبة فايمار. أولاً، كثيراً ما تكون الاستفتاءات خطيرة، خاصة عندما يتم استخدامها بشكل نادر ولا يتمتع الناخبين بالكثير من الخبرة في التعامل معها. ففي جمهورية فايمار، اختفى الاشتراكيون القوميون فعلياً بحلول العام 1929. ولكن ذلك الحزب تمكن في ذلك العام من إعادة ترسيخ نفسه من خلال المشاركة في الحملة الخاصة بالاستفتاء الذي كان موضع منافسة شرسة، وكان يتعلق بإصلاحات ما بعد الحرب العالمية الأولى.
ثانياً، أن حل البرلمانات بشكل سابق لأوانه عندما لا يتطلب القانون ذلك ينطوي على أقل تقدير على مخاطر. وحتى التصويت الذي يشكل الأساس لانتخابات جديدة يمكن تفسيرة على أنه اعتراف بأن الديمقراطية قد فشلت. وقد فاز النازيون، في تموز (يوليو) 1932 بأكبر حصة من الأصوات، (37 %)، في انتخابات حرة -والتي كانت غير ضرورية من الناحية القانونية. وكان قد تم إجراء الانتخابات السابقة قبل ذلك التاريخ بأقل من عامين، وكان من المفترض عدم إجراء انتخابات أخرى حتى سنة 1934.
ثالثاً، أن الدساتير لا تحمي النظام بالضرورة. فدستور فايمار الذي قام بصياغته أفضل الخبراء من حيث النظرة الثاقبة والأخلاقية، (بما في ذلك ماكس فيبر) وصل تقريباً إلى درجة الكمال. ولكن، عندما تحصل أمور غير متوقعه -سواء كانت حالات دراماتيكية تتعلق بالسياسة الخارجية أو اضطرابات داخلية- فإنه يتم تفسيرها على أنها حالات طارئة تتطلب إطاراً قانونياً إضافياً، مما يعني أن أوجه الحماية الدستورية قد تتآكل بسرعة. علماً بأن بإمكان أعداء الديمقراطية إثارة مثل تلك الأحداث.
الدرس الرابع المماثل هو أن جماعات الضغط التجارية يمكن أن تلعب دوراً ضاراً خلف الكواليس من أجل تقويض أي اتفاق بين القوى البرلمانية.
خامساً، أن الثقافة السياسية التي يعمل بموجبها القادة لشيطنة خصومهم تؤدي إلى تآكل الديمقراطية. وفي جمهورية فايمار، بدأ هذا النمط قبل أن يصبح النازيون قوة معتبرة. ففي سنة 1922، تم اغتيال وزير الخارجية، والتر راثينيو، بعد أن تعرض لحملة مكثفة من الكراهية التي تشوبها معاداة السامية من اليمين القومي. وبعد ذلك بوقت قصير، خاطب المستشار جوزيف فيرث، وهو كاثوليكي من يسار الوسط، أحزاب الجناح اليميني في البرلمان وقال: "الديمقراطية -نعم، ولكن ليس مثل هذا النوع من الديمقراطية التي تضرب على الطاولة وتقول: نحن الآن في السلطة". وختم تحذيرة بإعلان أن "العدو هو على اليمين"، وهو تصريح أدى فقط إلى تأجيج نيران القبلية بشكل أكبر.
سادساً، يمكن أن تكون عائلة الرئيس خطرة. في فايمار تم انتخاب المارشال الطاعن في السن، بول فون هيندربيغ، رئيساً في العام 1925، وأعيد انتخابة في العام 1932. لكنه أصبح، بحلول بداية الثلاثينيات وبعد سكتات دماغية بسيطة عدة، يعاني من الخرف، وبدأ ابنه الضعيف وغير الكفؤ، أوسكار، بالتحكم بكل ما يتصل بوالده. وكانت النتيجة أنه وقَّع في نهاية المطاف على كل الاتفاقيات التي تم تقديمها له.
سابعاً، أن المجموعة المتمردة لا تحتاج إلى التمتع بأغلبية إجمالية حتى تتحكم في المشهد السياسي، حتى في ظل نظام تمثيل نسبي. وكانت أكبر حصة من الأصوات تمكن النازيون من الحصول عليها هي 37 % في تموز (يوليو) من العام 1932. وفي انتخابات أخرى أجريت في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، انخفضت نسبة دعمهم إلى 33 %. لكن ذلك الانخفاض أدى، للأسف، إلى تقليل الأحزاب الأخرى من شأن النازيين بحيث اعتبرتهم شريكاً ممكناً في الائتلاف.
ثامناً، يمكن للزعماء البقاء في السلطة عن طريق رشوة الشعوب غير الراضية لبعض الوقت، وإنما ليس كل الوقت. ففي حقبة فايمار، وفرت الدولة الألمانية بسخاء السكن البلدي والخدمات الحكومية المحلية والدعم الزراعي والصناعي، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الموظفين الحكوميين. لكنها قامت بتمويل تلك النفقات عن طريق الديون.
في واقع الأمر، كانت جمهورية فايمار تعطي انطباعاً في البداية بأنها اقتصاد معجزة. وفقط في مرحلة لاحقة تأزم المشهد السياسي الألماني عندما سعت الحكومة للحصول على دعم خارجي، ووجدت البلدان الأخرى أن من الصعوبة بمكان تصديق تحذيرات الحكومة بأن عدم الحصول على مساعدة سريعة سيتسبب بكارثة سياسية، علماً بأن الموضوع الأكثر صعوبة بالنسبة لتلك البلدان كان إقناع ناخبيها بتقديم المساعدات المالية لإنقاذ ألمانيا.
من المفترض في كثير من الأحيان أن البلدان التي فيها أنظمة انتخابية تعتمد على الأغلبية مثل تلك الموجودة في الولايات المتحدة الأميركية أو المملكة المتحدة، هي أكثر صلابة ومرونة من البلدان التي توجد فيها أنظمة تمثيل نسبي. وفي واقع الأمر، تظل الديمقراطيات في أميركا وبريطانيا أقدم، مع ثقافات راسخة من الكياسة السياسية.
في الحقيقة، يمكن أن يصيب هذه الأنظمة الوهن والضعف أيضاً مع مرور الوقت. وعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون مدى اعتماد اقتصاد بلد ما على المدخرات الاجنبية (نقود أناس آخرين) غير ذي صلة سياسياً خلال فترات طويلة. ولكن، مع وجود نسب عجز متوقعة في الحساب الجاري لهذا العام، والتي تصل الى 3.7 % من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة الأميركية، و3% في المملكة المتحدة، فإن ساعة الحساب قد تأتي، وخاصة عندما تؤدي الانعزالية القومية بين الناخبين الأميركيين والبريطانيين إلى حالة من عدم الرضا بين الدائنين الأجانب لهما.

*أستاذ التاريخ والشؤون الدولية بجامعة برينستون، وهو زميل رفيع في مركز الابتكار الدولي للحكم. ومتخصص في التاريخ الاقتصادي الألماني والعولمة. وهو مؤلف مشارك لكتاب جديد بعنوان "اليورو ومعركة الأفكار"، ومؤلف كتب "خلق وتدمير القيمة: دورة العولمة"، و"كروب: تأريخ للشركة الألمانية العملاقة"، و"خلق الاتحاد النقدي الأوروبي".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق