كن ربانياً ولا تكن رمضانياً

تم نشره في الجمعة 15 حزيران / يونيو 2018. 12:00 صباحاً

أسامة شحادة

رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل صيامه على الأمم البشرية من أجل تحقيق تقوى الله عز وجل لأنه يقوم على مراقبة الإنسان لنفسه بترك ما يحبه من الطعام والشراب والشهوة من أجل محبة الله عز وجل الذي أمره بترك هذه المحبوبات.
وفي شهر رمضان، يُقبل المسلمون والمسلمات على قراءة القرآن الكريم وصلاة القيام والذكر والتسبيح وأداء الزكاة والصدقة وعمل الخير والبر والإحسان للفقراء والمساكين والأيتام، ويختم شهر رمضان بليالي العشر الأواخر منه، والتي كان النبي صلى الله عليه وسلم يزيد فيها من اجتهاده في العبادة فيعكتف فيها ويطيل القيام لما فيها من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ثم تكون النهاية بتقديم زكاة الفطر وصلاة العيد.
ولما كان شهر رمضان بمثابة "دورة إنعاش" لنفض غبار الكسل والغفلة عن طاعة الله عز وجل، وفرصة لتكفير الذنوب وشحن القلوب والعقول بهداية القرآن الكريم وإذابة شحوم الران والنكت السوداء على القلوب بسبب المعاصي والتقصير، فإن الصائمين والصائمات يكونون في رمضان في حالة صحية إيمانية جيدة تمكنهم من مواصلة طريقهم في الحياة في ظل هداية ونور القرآن الكريم مما يجعلهم ربانيين.
وعلى خلاف الربانيين هناك بعض الناس ممن يتعاملون مع رمضان والصيام والقيام وقراءة القرآن فيه على أنه موسم محدد ينتهي بانتهاء وقته، على غرار حلويات القطايف وعصائر قمر الدين التي تختفي من الأسواق بانتهاء رمضان!
وهذا التعامل "الرمضاني" الموسمي مع طاعة الله عز وجل وتقوى الرحمن هو نتيجة فهم مشوّه لشهر رمضان المبارك وفريضة الصيام وركن الإسلام بسبب هيمنة التصور المادي الاستهلاكي الذي يطحن الناس عبر وسائل الإعلام والإعلان، والتي حولت رمضان لموسم استهلاكي يبدأ بتعليق الزينات وتتبّع وصفات الأطعمة التي يقدمها (الشيف والشيفات) على الشاشات وملاحقة مسلسلات رمضان وسهرات الخيم والمقاهي لتنتهي بالركض خلف العروض والماركات في المولات!!
إن مزاحمة هذا النمط الرمضاني الاستهلاكي لحقيقة شهر رمضان المبارك هي ما تجعل بعض الناس يعيش ازدواجية في التعامل مع رمضان، فهو يصوم ويترك الحلال من الطعام والشراب والشهوة ولكنه يفطر على الشهوات واللذات وتكون المحصلة عنده أنه لا يستلذ بقراءة القرآن ولا صلاة القيام، وتنتهي علاقته بتقوى الله عز وجل وطاعته بعد ليلة 27 أو صلاة العيد!!
والوعي بهذا الصراع المادي الاستهلاكي وبين طاعة الله عز وجل وتقواه هو من أهم ما يحول بين الصائمين والصائمات وبين أن يكونوا رمضانيين بدلاً من أن يكونوا ربانيين، لأن الفلسفة المادية التي لا تؤمن بالغيب ووجود الله عز وجل وضرورة عبادته وطاعته لا حدود لشهواتها ولذاتها، فهي لا تؤمن إلا باللذة المادية الحاضرة الآنية، وهي تسعى لتقديم اللذات الحلال والحرام لأكبر قطاع من الناس مما قد يسعدهم ظاهراً ولحظياً، وفي الوقت نفسه هو يدر الملايين والمليارات على رؤوس المال الجشعة التي لا تعرف حلالاً ولا حراماً.
لقد أخبرنا الله عز وجل عن نتيجة البعد عن تقوى الله عز وجل التي تتحقق بالصيام، فقال تعالى: "ومن أعرض عن ذِكري فإن له معيشة ضنكا" (طه: 124)، وها نحن نرى أن مَن ركض خلف الموضات والماركات كيف تلحقه الديون، خاصة إذا اعتمد على بطاقات الائتمان التي هي قروض ربوية فاحشة في حقيقتها وكيف أنه يصبح أسيراً لفوائدها الخانقة، ومن انجرف مع أوهام الغرام والهوى في المسلسلات يسقط في كوارث الطلاق والفواحش، والإحصاءات الرسمية في المحاكم ودوائر الأمن مرعبة، أما من اقتحم عالم اللذات المحرمة من الخمر والمخدرات فسرعان ما تتبخر أمواله وصحته وحياته خلف حلقات من الدخان فضلاً عن ضياع أسرته والعار الذي يجلبه لها.
إن شهر رمضان المبارك فرصة سنوية لنا جميعاً لنصحّح مسارنا ونجدّد عزيمتنا وننظف دواخلنا لنكمل مسيرتنا بقوة وهداية وسلامة في ظل تقوى الله عز وجل وطاعته وعبادته، وتشكل الحالة الإيمانية الجماعية في شهر رمضان أكبر محفز لمن أراد سلوك الخير، ويسهم اعتياد المسلم والمسلمة فيه على الخير والطاعة لشهر كامل في علوم الإدارة والنفس وقتاً كافياً لرسوخ العادات الإيجابية وتعديل السلوك وتقويمه واستقراره.
فالعاقل والموفق هو من جاهد نفسه ليكون ربانياً طوال العام ويستفيد من شهر رمضان لتجديد إيمانه وتقوية عزيمته، ولا يكون رمضانياً تنتهي علاقته بالطاعات وتقوى الرحمن بظهور هلال شوال أو قبله!
لقد خاطب ربنا جل وعلا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فقال له: "رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته" (مريم: 65)، مما يلخص لنا حقيقة الوجود الذي نعيشه، فهذا الوجود مخلوق خلقه الله عز وجل ويجب على الإنسان عبادة الله جل وعلا وطاعته، والصبر والمصابرة على طاعته والحذر من الصوارف عن ذلك من الشهوات وحيل الشيطان، وعند ذلك تتحقق سعادة الإنسان الحقيقية؛ إذ يتحقق له بطاعة الله وعبادته الاستقرار النفسي وتحقيق المصالح الكاملة في حياته وتعاملاته وسلوكه ويتجنب كل الآثار السلبية للشرك والمعاصي والفواحش في الدنيا، وفي الآخرة يدخل جنة النعيم ويجنب نار الجحيم.

التعليق