علاء الدين أبو زينة

الحماية للفلسطينيين من أنظمتهم الحاكمة..!

تم نشره في الأربعاء 20 حزيران / يونيو 2018. 11:07 مـساءً

من حيث المبدأ، لا يمكن فهم شلّ حركة التحرر الوطني الفلسطيني على هذا النحو بالانقسام المطوَّل بين فتح وحماس. ويُفترض، لكل الأسباب الأخلاقية والعملية، أن تكون غاية المشروع الفلسطيني واضحة، وأن يكون هناك توافق معقول على الوسائل. فالانقسام عدو لأي تكوين، ولا يمكن أن يكون المساهم في خلقه أو تعميقه أو إدامته صالحاً لقيادة شعب وحمل مشروعه التحرري. ولو عجزت أي إدارة في شركة –ناهيك عن حركة تحرر- عن الملاحة بمؤسسة منسجمة ومنتجة، فإنها تُقال أو تستقيل.

والتعددية حالة صحية في مجملها، لكن "التعددية" الفلسطينية –كما هو حالها- وبالٌ على أصحابها. إنها ليست تلوينات في لوحة أو منظومة ذات معنى، وإنما لطخات بشعة منفرة ومتصارعة، ودموية أحياناً. وفي الحقيقة، أصبح المشهد الفلسطيني يقدم أسوأ عروض يمكن تصورها عن ثورة ضد احتلال وحركة تحرر وطني.

من أغرب الأشياء رؤية شيء يسمى "قوات مكافحة شغب" فلسطينية تضرب فلسطينيين. فهذه القوات تعمل عادة لدى نظام حكم في دولة وليس في حركة تحرر وطني لشعب وطنه محتل. ولا يُفهم بأي معيار استهداف فلسطينيين بهذه القوات بسبب تعبيرهم عن رأي أو احتجاجهم السلمي على شيء. أما إذا كان عنوان الاحتجاج هو رفع عقوبات بشعة مفروضة على نحو مليوني فلسطيني فقير معذب في غزة، فإن قمعه تذرعاً بمعاقبة أي أحد هو منتهى المفارقة! وكأنه لا يكفي أن تقسم فتح وحماس الفلسطينيين إلى إقطاعيات تتحكم في مصائرها، حتى تعاقب إحداهما الأخرى بتجويع الناس الذين صادف أنهم وقعوا تحت حكمها!

ليس هناك أي سبب لاعتقاد السلطة في رام الله بهذا الجزم بأنها وحدها التي تعرف مصلحة الشعب الفلسطيني، وكذلك حماس في غزة. فالمعيار الوحيد الصالح هو الإنجاز الذي يحققه أي من هذين لتخفيف معاناة الفلسطينيين والتقدم بهم نحو الحرية. ومن العيب أن يتقمص أحد شكل نظام حكم تقليدي قمعي كاره للمختلف في الرأي، ومستعد لاستخدام الهراوات والسجون ضد الفلسطيني الآخر –ما لم يكن خائنا صريحا يعلن انحيازه للعدو.

قبل العيد حظرت السلطة في رام الله المحتلة تنظيم احتجاجات شعبية ضد فرض عقوبات على غزة، والتي يدفع الناس العاديون الفقراء ثمنها المؤلم، بذريعة معاقبة النظام الحاكم الآخر هناك. وعندما رفض الناس المنع وتظاهروا يوم الأربعاء الذي سبق العيد، قمعتهم قوات "النظام" بالقوة. ولم يكن ذلك انتهاكا للتحضر والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، مثل أي قمع للرأي. كان عرضا قبيحا يلطخ صورة التكوين الفلسطيني كله، كشعب وقيادة وقضية عادلة. وإذا كانت هذه الطريقة التي تتعامل بها قيادة الفلسطينيين مع شعبها لمجرد الاحتجاج على سياسة، حتى وهم ليسوا دولة، فكيف يكون حالهم إذا صارت لهم دولة.

لم يسبق أن وصلت أي حركة تحرر في العالم هذا المستوى من الانفصال بين الناس والقيادة، والقناعة العامة بفشل القيادات الهابطة بالمظلة مثلما يحدث في الحالة الفلسطينية. وباستثناء مستفيدين واضحين، لا يمكن أن يقبل أحد بقيادة عاجزة عن إيجاد التوافق الأساسي والضروري للمضي قدماً، ناهيك عن اكتشاف أي طرق للوصول بالمسيرة الوطنية إلى أي ميناء أو وعد. ولن يقبل الفلسطينيون المعذبون بالتأكيد بسلطة أخرى تستخدم ضدهم الهراوات وكتم الصوت والتجاهل. ولو بحث أحد بمجهر عن شيء واحد يجمع الفلسطينيين الآن في مشروع أو رؤية، لما وجد شيئاً، بفضل هذه القيادات.

لقد انحرف المسار الفلسطيني بكل وضوح عن أي طريق آمل ومنطقي. ولم يعد من الغريب الحديث عن انتفاضة شعبية فلسطينية لإسقاط أنظمة الحكم في شقي القسمة –أنظمة حكم؟- على عروش الوهم، في وطن محتل بالكامل؟ وكان المأمول –والمعقول- سواء خلال مرحلة النضال التحرري، أو إذا تحقق حلم الفلسطينيين في وطن حر، أن تكون خبرتهم دون غيرهم خالية تماماً من الهراوات وكواتم الصوت أو أي مظهر لقمع المختلف.

من المؤسف بما يكفي أن تدعو حنان عشراوي، في تعليقها على قمع السلطة المحتجين في رام الله ونابلس، إلى "ضرورة  العمل على حماية حقوق وحريات الشعب الفلسطيني، والحفاظ على نظام عادل وديمقراطي وتعزيز الحكم الرشيد وسيادة القانون". وليس حماية حقوق الفلسطيني وحرياته من الاحتلال هذه المرة، وإنما من "نظامه الحاكم" على بؤسه وشل قضيته!

التعليق