غير معقول!

تم نشره في السبت 23 حزيران / يونيو 2018. 11:06 مـساءً

تعبيرا عن الدهشة والانفعال وأحيانا السعادة، جرت العادة أن يستجيب البعض لما قد يحدث لهم أو في محيطهم وعالمهم بالقول "مش معقول" أو "مو معقول". ويفهم من التعبير أن ما حصل للشخص أو شهده صادم وغريب وغير متوقع لدرجة أنه أصبح غير قادر على استيعاب وإدراك الموضوع وتجاوز حالة الصدمة والذهول التي تولدت عنه.
فيما يحدث هذه الأيام الكثير من الفوضى والتداخل الذي يضاعف تعقيد المشهد ويجعله عصيا على الفهم. من يراقب الأحداث على الصعد الدولية والإقليمية وحتى المحلية ويتابع ما يكتب في الصحف وينشر عبر المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي يصاب بالإحباط والذهول. فلا هو قادر على المتابعة والتركيز ولا بمقدوره أن يبتدع نموذجا تفسيريا يمكنه من وضع ما يشاهد وما يحدث في سياق وترتيب قابل للاستيعاب والربط والتحليل.
الكثير ممن يهتمون بما يجري في بلادنا ومن حولها عاجزون عن إيجاد نظرية شمولية تفسر الأحداث ومآلاتها، في حين يلجأ البعض الى نظرية الفوضى الخلاقة التي ترى أن ما يحدث من هدم للقيم وتدمير للنظم وصدام بين أركان ومكونات المجتمع عمل مدروس غايته إحداث الفوضى ونزع خواص المجتمع وعناصر تماسكه وهويته والوصول به الى حالة من التدهور والتفكك والفوضى التي تجعل التدخل الخارجي لإعادة البناء والتنظيم مطلبا عاما وأولوية يجمع عليها الفرقاء.
النظرية التي ابتدعها جنرالات البنتاغون في تسعينيات القرن الماضي وأوصوا باستخدامها كأداة لتفتيت المجتمعات التي يشكل وجودها عقبة في وجه العولمة الاقتصادية والأمنية والسياسية، لخص الرئيس السابق جورج بوش الابن فحواها وعبر عنها بمقولته الشهيرة "إما أن تكون معنا أو أنك ضدنا"، واعتمدت كمدخل للتعامل مع المجتمعات العربية والإسلامية باعتبارها خطرا على الثقافة الغربية ومساعيها للهيمنة على العالم.
في العالم الإسلامي الذي ظل منضبطا بفعل الدين والعائلات الحاكمة وسلطة الجنرالات والجيوش، أسهمت ضغوطات التغيير والعولمة الأمنية وما تولد عنها من اتجاهات في التشكيك في الجماعات الدينية وتبني بعض هذه الجماعات مواقف واستراتيجيات معادية لكل ما هو مختلف عن عقيدتها ومنهجها الى خلق حالة من الصدام المسلح بين الأنظمة السياسية العربية والتحالفات الدولية من ناحية وهذه القوى والجماعات من الناحية الأخرى.
من ناحية أخرى، شكلت ثورات الربيع حالة ثقافية سياسية جديدة دفعت بالجميع الى التعبير عن الرغبة في التغيير بما في ذلك القوى المحافظة داخل هذه المجتمعات. الجديد فيما حدث في هذه المجتمعات وجود تباين كبير بين الجماعات والقوى في نوعية التغيير المطلوب وشكله واتجاهه ومداه. البعض يريد العودة الى الوراء وآخرون يريدون التخلي عن كل ما هو تقليدي وموروث وبينهما عشرات الوصفات التي أدت الى خلق أرضيات جديدة لصراعات متعددة بين قوى متباينة على جهات وجبهات مختلفة كما حصل ويحصل في سورية وليبيا وما حصل سابقا في مصر.
على الساحة الأردنية، يتفق الناس على وجود حاجة ملحة لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والإصلاح الإداري والحد من الفساد وتطبيق الحاكمية الرشيدة، ويختلفون فيما عدا ذلك على معظم الطروحات الأخرى المتعلقة بالأحزاب والدولة المدنية وغيرها من القضايا التي تعد أساسية لأي مشروع إصلاحي.
الأسابيع الماضية التي خرج فيها الأردنيون للشارع ليطالبوا بإسقاط الحكومة ووقف بعض الإجراءات التي تمس أحوالهم المعيشية كانت شاهدا على أهمية الاقتصاد كأرضية للحراك وبدرجة تتفوق على السياسة والحرية وحتى الفساد.
التداخل المستمر بين ما هو عربي ودولي وبين ما هو اقتصادي وسياسي والتنوع الديموغرافي العرقي الديني والخوف من إمكانية المخاطرة جراء خسارة بعض المكونات للامتيازات التي توفرها الترتيبات القائمة، جميعها عوامل أساسية في إضعاف حماسة الكثير من القوى والجماعات للتغيير بأي اتجاه.

التعليق