عزيز جاسر ومحمود سعيد

تم نشره في الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2018. 12:05 صباحاً

في التاريخ الأردني الشفوي، يوجد رجالات يمتلكون جاذبية جماهيرية ترتبط بالثراء أو الموقع أو السلالة والنسب بقدر ما ترتبط بقربهم من الناس وملامستهم الضمير الشعبي والقدرة على التعبير عن هموم وأوجاع الناس واختزالها في جملة أو مقولة أو برقية حتى وإن أفضت الى مجابهة السلطة والاعتراض على إجراءاتها من دون اعتبارات للخوف أو العقاب كما حصل مع أحدهم في خمسينيات القرن الماضي.

هؤلاء الأشخاص أسهموا بإثراء الثقافة وتخصيب الفكر وتبديد الخوف من خلال أساليب مبتكرة في النقد والولوج الى اللاوعي الاجتماعي لاستثارة التفكير ورفض الخنوع والزيف والتزلف وكشف الفساد والممارسات التي قد تتواطأ القوى الاجتماعية على قبولها وترويجها واستدخالها في الموروث الشعبي. بعض هذه الشخصيات دفعت ثمنا باهظا لخياراتها، والبعض حظي بحب وتقدير واحترام من عاصر تجاربهم أو تعلم عنها.

من بين رجالات المدرسة النقدية الساخرة في المجتمع الأردني ثلاثة رجال اكتسبوا شهرة محلية واسعة. هؤلاء الرجال هم محمد باجس المجالي (الكرك) وعزيز جاسر (السلط) ومحمود سعيد (عين الباشا). بالرغم من وجود بعض الاختلاف في الأسلوب وحدة النقد ومواضيعه، إلا أن هناك بعض التشابه في مسيرة الرجال الثلاثة، فقد ولدوا جميعا بين 1923 و1926 ورحلوا بين 2006 و2011؛ حيث عاش كل منهم لما يزيد على ثمانين عاما. أشغل ثلاثتهم مواقع مهمة في المجال العام؛ حيث عمل محمد باجس في الأراضي والبريد وديوان المحاسبة والكتابة الصحفية، في حين تنقل عزيز جاسر بين المالية والداخلية، وكرس محمود سعيد جهده لرعاية الأيتام قبل أن يفوز بانتخابات الاتحاد الوطني بأعلى الأصوات.

في ثمانينيات القرن الماضي، ووسط الضجيج الذي أثير حول قرار فك الارتباط بين الضفتين ونشوة منظمة التحرير الفلسطينية بالاستماع المتكرر الى عبارة "الممثل الشرعي والوحيد" والأثر السحري لإيقاع تلك الجملة التي اعتبرت أول الإنجازات النضالية وأكثرها تعبيرا عن توسع نفوذ ومسؤوليات المنظمة وأدوارها، فقد تلقت الدعم العربي للانفراد بالحديث باسم الشعب الفلسطيني وقضيته وحصلت بهذه العبارة على تلميح ضمني بتخلي الأردن عن هذا الدور. في تلك الأيام تعرفت على شخصية يتحدث عنها الأصدقاء بحب وإعجاب ويناديه الجميع بصوت وكلمات تقلص المسافة بين المنادي والمنادى عليه وبإيقاع يسقط اعتبارات الاعمار والمكانات والأدوار ويوحي بالود والتفهم والألفة والقبول غير المشروط أو المقيد.

الحاج محمود سعيد أو سماحة الوالد، كما يحلو للبعض مناداته، يمضي الوقت في استقبال أفواج الرواد من الساسة ورجال الأمن والشيوخ والوجهاء والصحفيين ممن يؤمون المزرعة التي شكلت فضاء سياسيا واجتماعيا وثقافيا وربما أمنيا؛ حيث تنتظم جلسات الحوار بعفوية ويتلاقى الساسة ورجال الفكر والإعلام وشخصيات اجتماعية في فضاء حيادي يسمح بالحد من رتابة وروتين وبيروقراطية العلاقات في الفضاءات الأخرى الشخصية التي تحلى بها الحاج محمود سعيد تختلف عن الشخصيات النمطية لمن عملوا بالسياسة والأمن والعملين العام والخاص، فهو يملك مخزونا معرفيا عن تاريخ المنطقة وأنظمتها السياسية وشخصياتها وقضاياها وقدرا من الجرأة

والعبثية التي تؤهله ليسخر من كل شيء، ففي حضرته يتلاشى التمثيل والتقمص والنفاق، فلديه حساسية مفرطة من كل أشكال التظاهر والتمثيل ويملك استعدادا استثنائيا لكشف أعراض التعالي والغرور والهجوم عليهما.

في أمسية الاستذكار التي نظمها أبناء الحاج محمود سعيد بمناسبة مرور أحد عشر عاما على رحيله، تحدث أصدقاء الراحل عن شخصيته وحضوره وطغيان طيفه على المكان، فساقنا الحديث الى استذكار العديد من النماذج التي جرى الإشارة الى بعضها في المقال. السؤال الذي يخطر بالبال ونحن نتحدث عن هذه النماذج يرتبط بماهية الظروف والأوضاع التي أدت الى ظهور هذه النماذج والعوامل التي حالت دون وجود المزيد من هؤلاء؟

لا أعرف فيما إذا أسهمت تكنولوجيا التواصل الاجتماعي في منح كل منا هامشا للتعبير يغنينا عما كان يقوم به محمد باجس وعزيز جاسر ومحمود سعيد نيابة عنا؟

التعليق