حنان كامل الشيخ

لا تهاجر يا قتيبة!

تم نشره في الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

نعم، فمن أقصى النقيض إلى أقصى النقيض سوف تتبدل آراؤك، لو أنك جربت يا قتيبة أن تسافر وحيدا في بلاد لا تتقن إلا لغتها. سوف تسر كثيرا في أيامك الأولى، أسابيعك الأولى "حسبة الأسابيع سوف تتعلمها هناك بالتأكيد!"، شهورك الأولى ربما، لكنك يا صغيري لن تنعم بالسعادة التي هربت بسببها من بلدك، في اللحظة التي سوف ترتفع فيها حرارتك وأنت هناك وحدك؛ لا أم ولا أخ ولا صديق ولا جار تعتمد عليه لكي يناولك حبة دواء وكوب ماء.
لا تهاجر وحدك إن صح التعبير لو كنت مصرا على الهروب من واقعك المتعب في بلد لم يستطع لسنوات أن يحتضن أحلامك، وقبلك آلاف، فاضطره إلى أسهل الأحلام التي راودت يقظة ومنام الشباب، توقا للحرية في التنفس والعيش الكريم.
أهكذا تعتقد يا قتيبة حقا؟ هل تظن فعلا بأن السماء وردية في عالم الغربة مزدانة بقوس قزح، والموسيقى تملأ المكان بالبهجة؟ نعم إنها كذلك يا بني أصدقك القول، لكنها سماؤهم هم وقوس قزحهم هم من يعيش أصلا في تلك البلاد واعتاد على أن يكون جزءا منها جسدا وقلبا وروحا. إنها كذلك أيضا للمغتربين الأقوياء، ممن يملكون بطاقات خصومات القطار والحافلة، فيختارون "الأوبر" من أجل التنقل المريح. الشجعان الذين يصرفون بقلب جامد على فواتير المطاعم الإيطالية واليابانية، وهم يتمتعون بوجبات مخفضة السعر لاعتبارات أسباب تواجدهم في بلاد الغربة.
في الحقيقة إنها ليست بلادا للغربة بالمعنى الحرفي يا قتيبة. فهم يملكون خاصية نقل أوطانهم معهم في الحقائب الجلدية، إن هم أرادوا هذا. وغالبا هم لا يريدون!
أنت يا قتيبة، إن هاجرت وحيدا من رفيق يفهم تماما سبب بكائك، حين تعصف بك الحقيقة المرة في بلاد كنت تظنها ملاذك، فإنك سوف تصاب بالجنون على أقل تقدير. وعلى سيرة التقدير، فإن اكتشافا متأخرا سيكون سببا في بكائك المرير، فمن لا تقدره مدرسته وحيه وجامعته وبلاده، من لا يحظى بحقه في وطنه باحترام وبساطة، من لا يتألم مجتمعه لوجعه وخوفه، فإنه لن يجد أيا من تلك الأمنيات خارج البلاد. وما قصص تقدير العلماء والأدباء والمبدعين والفنانين، إلا الحجر الصغير الذي يلقى كل حين وحين في البرك الراكدة لتثير قضية النبي الذي لا كرامة له في وطنه، أو مثل ورقة يانصيب تكتمل ترتيب أرقامها مرة كل عقد من الزمان ليس للفوز بالجائزة الكبرى غير المأمول بها، بل خسارة الجوائز الصغيرة المفرحة المتوقعة. إنها قصص كانت في ماض جميل كما السينما والروايات والملابس الموردة بالأزهار، أضيفت إلى الصورة الجميلة حين كانت الهجرة أسهل، والوصول إلى منافذ القرار أكثر عدالة.
اليوم يا قتيبة، تعلم الغرب من أين تؤكل الكتف! أصبحوا غير مكترثين بمن يهرب بعيدا عن الظلم وغياب الفرص، لأنهم باختصار صاروا جزءا من تحمل فاتورة الظلم الواقعة عليك وعلى صحبك، وأصبحوا يبحثون هم عن الفرص في اقتناص فرص لالتقاط من هم قادرون على دفع تكاليف الهجرة والسفر.
ابق عندك يا قتيبة إن كنت تظن أن هناك "بدايات" تنتظر المبتدئين!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جميل ولكن (أيمن أبولبن)

    الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2018.
    جميل ما كتبت سيدة حنان، ولكن، هلاّ أوضحت دوافع البقاء في الوطن بدلاً من خوض تجربة جديدة في بلد آخر
    لقد تحدثت عن الغربة، وأنا أتفق معك بل وأضيف، ولكن هل من أسباب مقنعة للعدول عن قرار الهجرة أو لاقناع أحد المهاجرين بالعودة؟
    ضمن الظروف الموضوعية الحالية؟
    حقا وبدون استثارة العواطف؟
  • »صحيح (محمد قواسمه)

    الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2018.
    ما تقولينه صحيح فالغربة غالباً ما تكون غير ما نحلم به، ولكننا نقبل الظلم في الغربة بحجة أن هذا ليس وطننا وحقوقنا تختلف عن حقوق المواطنين. أما في الوطن فلا عذر ولا مبرر لقبول الظلم ... فالمغترب يذوب شوقاً للعودة إلى الوطن ولكنه سرعان ما يصطدم بالواقع المر عندما يرى الظلم والتمييز بأم عينه وأن كل شيء بالواسطة !!! فيتمنى أنه لم يرجع لا سيما أنه كما يُقال المال في الغربة وطن (؟؟؟).
  • »هاجر يا قتيبه (حسين محمد)

    الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2018.
    هاجر يا قتيبه . فقد هاجرت قبل 37 عام ولا زلت احلم بالمزيد . وكلما عدت الى الاردن لا امكث فيه الا اسبوعان ويضيق صدري واعود الى المهجر الحنون . فهاجر يا قتيبه ان اردت ان تكون . هاجر حتى تستطيع ان تأكل وتتزوج وتعيش حياة الانسان الطبيعي .