قراءات تنموية

الفقراء والإعلام في ثمانية مشاهد واقعية أردنية

تم نشره في الأربعاء 11 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • طفل يسير حافيا بسبب الفقر المدقع-(تصوير: ساهر قدارة)

أحمد أبو خليل

عمان-  هذا التقرير له محتوى خاص إلى حد ما، يختلف عما هو معتاد في هذه الزاوية، فهو ليس تغطية صحفية لقضية ما أو لحالة دراسية أو موقع بعينه.
سوف أحاول في هذا التقرير أن أصطحب القارئ إلى عدد من المشاهد "الطريفة" ربما، التي حصلت معي خلال عشرين عاما مضت من العمل في إعلام الفقر والتنمية في الأردن. لكن طرافتها لا تعني خفتها أو سطحيتها، بل العكس هو الصحيح على الأغلب. وسوف يلاحظ القارئ أن ما يربط هذه المشاهد هو أنها قد تحمل مؤشرات على خصوصية العمل الصحفي في أوساط الفقراء.
المشهد الأول:
كنت اتحدث إلى رجل فاق الثمانين يقيم في قرية "أم صيحون" المجاورة لوادي موسى (البترا). من المعلوم أن متطلبات الحوار مع الفقراء في الأوساط الشعبية تقتضي السماح لهم بالتعبير عن أنفسهم كما يشاؤون وباسترسال، وبالطبع ليس على الصحفي أن يسجل كل ما يقال، ولكن يشترط أن لا يوحي للمتحدث أن كلامه أو جزءا من كلامه غير مهم.
كنت أستمع إليه باهتمام، ولكني كنت أدون بعض إجاباته التي أرى أنها قد تخدمني في الكتابة اللاحقة وأكتفي بسماع باقي الإجابات، وكنت أظن أنه غير ملتفت إلى ذلك، وفي مجرى الكلام كنت أجامله في فكرة يتحدث بها وقلت العبارة التالية: يبدو أن المسؤولين الحكوميين يصغوا إلى أمور ويتناسون أخرى. فقال الرجل على الفور وهو يبتسم بمكر وذكاء: مثلك الآن، اللّي بِلِذلَكْ تكتبه واللّي ما بِلِذلَكْ ما تكتبه!
ملاحظة الرجل تعني أنه انتبه إلى الممارسة الخاطئة التي وقعت بها، لقد اعتقدتُ أن رجلا فقيرا تجاوز الثمانين قد يفوته التركيز في طريقة عملي كصحفي.
المشهد الثاني:
كانت سيدة في إحدى بلدات جيوب الفقر الشهيرة، تتحدث عن تجربتها عن إحدى فعاليات مكافحة الفقر في بلدتها، وعندما سألتها: هل حصل أي لقاء لكم مع الجهات المسؤولة؟ أجابت بأنهم ذات يوم، طُلبوا للاجتماع مع مسؤول كبير قادم من العاصمة، ولكن قبل ذلك عُقد لهن اجتماع مع الجهة المنفذة وأبلغن بما عليهن قوله أمام الضيف الكبير، وكانت السيدة تروي القصة كأمر طبيعي، فهي لا ترى أن في الأمر خللا ما، وتعتبر الاجتماع التمهيدي اعتياديا، خاصة وأنها اهتمت بذكر أن منظمي الاجتماع دفعوا أجرة النقل وقدموا وجبة "مبكتة" (وجبة معلبة داخل باكيت) للحاضرات.
المشهد الثالث:
كان رجل قيادي في مجتمع محلي في إحدى قرى البادية الواقعة في إحدى جيوب الفقر يجيب على أسئلتي. ولما رأى الرجل أنني لا أكتفي بالطريقة المختصرة في الحصول عن إجابات على شكل أقوال يجري تسجيلها، توجه الرجل لي بالسؤال التالي: هل تريد إجابات من التي نقولها للمسؤول المحلي؟ أم إجابة بحضور الممولين الدوليين؟ أم انك تريد كلاما بالبلدي؟
تفيد إجابة الرجل إلى انه تشكلت مع مرور الزمن تجارب عند الفقراء، بعد أن لاحظوا أن الجهات المعنية تطلب إجابات مناسبة للضيف المناسب، لقد نمت لديهم تجربة في نوع التصريحات التي عليهم أن يدلوا بها، وهذا قد يوقع الصحفي المستقل الباحث عن الحقيقة في خلل الحصول على إجابة نمطية لا تعكس الواقع.
المشهد الرابع:
حصل قبل سنوات أن كانت إحدى الصحف تنشط في مجال عرض الحالات الانسانية وتدبير معونات لها، واشتهرت تلك الزاوية بين الجمهور، إلى درجة أن أحد الفقراء الذين نشرت قصتهم وصورهم في تلك الزاوية، قام بوضع قصته كما نشرت في الصحيفة في اضبارة ووضع لها غلافا جلديا للمحافظة عليها وأصبحت إحدى وثائقه في جولات التسول التي يقوم بها على البيوت! والمفارقة أنه طرق باب بيتي شخصيا، وأراني أوراقه قائلاً: انا الذي كتبت عني الجريدة! 
المشهد الخامس:
كنت خارجا من مقابلة جماعية مع مجموعة من فقراء القطاع العام في المراتب الدنيا من العمل الحكومي كانوا يحتجون على سوء أوضاعهم، فلحقني أبرزهم ودس في جيبي عشرة دنانير، وقال: هذه بدل بنزين! تفاجأت فأضاف: والله لو هناك امكانية لأعطيناك أكثر.
تماسكت عن ردة فعل محرجة له، ثم شرحت له مهمتي وأنني أتلقى راتبي بسبب شغلي هذا، وأن ما أقوم به عندهم هو عملي وواجبي، وأن مهمتي كصحفي أن أسعى وراءهم من أجل الحصول على المعلومة التي يملكونها.
المشهد يشير إلى ظاهرة مؤسفة، إذ يعتقد الفقراء أن الصحفي "صاحب أفضال" لأنه يحضر إليهم وينقل معاناتهم، بينما يتعين أن يعرف الفقير أنه إذا كان هناك صاحب أفضال في العلاقة مع الصحفي فهو الفقير نفسه الذي يعطي معلومات يكمل بها الصحفي مادته، وذلك تماما كما يحصل مع باقي مصادر المعلومات عند الأثرياء.
المشهد السادس
في قرية تقع في البادية الجنوبية، نظر إلي أحد أبناء القرية بعد حوالي ساعة من حواري معه، وطلب مني توضيح ما أريده! وبوضوح سألني إن كنت أريد مالاً فكم سيكون المبلغ؟ وكيف سيضمنون النشر؟!!
كانت أسئلته مفاجئة، ولكن المفاجأة الأكبر هي أنه بعد أن أوضحت له الموقف، ابلغني أن مجموعة من الشباب حضروا إلى القرية وقدموا أنفسهم كفريق صحفي وطلبوا مالا مقابل نشر تقرير عن فقر المنطقة ولم ينشر.
المشهد السابع:
رافقت ذات يوم فريقا تابعاً لإحدى المحطات التلفزيونية إلى إحدى القرى الفقيرة في البادية. كان فريق التصوير يبحث عن مشهد لكي يبني عليه تقريره. لكن القرية كانت في حالة سكون تام. البيوت منفردة متباعدة صامتة مغلقة. صاح المصور: أين الفقر؟ هؤلاء لديهم بيوت "مستقلة" ومساحات واسعة! ظل الفريق يبحث إلى أن عثر على خيمة وقدّر أنها فقيرة واستأذن بالتصوير والتسجيل، من باب ضرورة إكمال التقرير.
تركت فريق التلفزيون يعد تقريره بأدواته المناسبة، وذهبت إلى أحد تلك البيوت المستقلة الهادئة، وانتظرت أول حركة ثم بدأت التعرف على أصحاب، البيت وأعددت تقريري.
هذا المشهد يشير إلى التفريق بين أصناف المادة الصحفية، أو كيف يؤثر تبدل الأدوات على طبيعة المنتج النهائي. فالصحافة المكتوبة لها ادواتها المختلفة عن الصحافة المرئية.
المشهد الثامن:
في لقاء لمسؤول قيادي كبير مع عدد من أبناء البادية بحضور عدد من الإعلاميين، استل أحد الحضور من البدو قطعة من الجميد من جيبه، وكسر منها بأسنانه وقال للمسؤول شاكياً: إننا نعيش على الجميد!
استغرب بعض الإعلاميين الحضور مبتسمين، لأن الجميد البلدي سعره مرتفع، وقال أحدهم للرجل: إنهم في العاصمة بالكاد يحصلون على الجميد!
لم ينتبه الحضور من العاصمة، إلى أن عبارة "عايشين على الجميد" معناها الفقر والحاجة، لأن الجميد عند البدو هو مجرد "لبن مجفف" يستخدم مع انقطاع الحليب واللبن، ولا يستخدم باعتباره سلعة فولكلورية نادرة بل باعتباره الملجأ الأخير.

التعليق