القاعدة 2.0 ينهض من فوضى صراعات القوى

تم نشره في الثلاثاء 10 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، في رسالة متلفزة إلى أنصاره – (أرشيفية)

إد بلانش – (أراب ويكلي) 6/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بيروت، لبنان – يبدو أن هناك القليل من الشك في أن تنظيم القاعدة لم يتمكن من النجاة من هجوم عالمي ومن الانقسامات الداخلية الحادة فحسب، وإنما استطاع أن يتغلب أيضاً على فقدان مؤسسه، أسامة بن لادن، وقادة آخرين في حملة الاغتيالات التي قادتها الولايات المتحدة، ليعيد بناء نفسه بهدوء إلى قوة تتباهى بامتلاك ما يصل إلى 40.000 من المقاتلين الأشداء.
يلاحظ المحلل الأميركي بروس هوفمان: "بعد سبع سنوات تقريباً من مقتل أسامة بن لادن، أصبح تنظيم القاعدة أكبر حجماً وأكثر عدداً، وهو موجود في بلدان أكثر مما كان في أي وقت آخر في تاريخه".
في السنوات الأربع التي استغرقها الأميركيون للقضاء على نسل القاعدة المتوحش، تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وتحطيم خلافته المعلنة ذاتياً في العراق وسورية، اشتغل تنظيم القاعدة في مداواة جراحه وبعث نفسه خارجاً من الركام الذي صنعه الصدع المطول والمروع داخل الحركة الجهادية، الذي نجم عن عقيدة "داعش" المفزعة.
استطاع خليفة بن لادن، الجهادي المصري المخضرم أيمن الظواهري، إنشاء منظمة معادة البناء، والتي يقول هوفمان، المختص في شؤون الإرهاب والتمرد، أنها تشكل خطراً غير مسبوق على الغرب والحكام المسلمين الذين يعارضون تنظيم القاعدة.
وكتب هوفمان في تحليل لمجلس العلاقات الخارجية الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقراً له: "من شمال غرب أفريقيا إلى شرق آسيا، استطاع تنظيم القاعدة أن ينسج معاً حركة عالمية تتكون من نحو عشرين فرعاً محلياً". ويتفق معه في ذلك محللون آخرون.
قام الظواهري، الذي كثيراً ما يتعرض للانتقاد باعتباره مفتقراً إلى الكاريزما والموهبة اللتين تمتع بهما بن لادن، بإعادة تجميع شتات تنظيم القاعدة معاً في أعقاب مقتل بن لادن في أيار (مايو) 2011 في مخبئه في الباكستان على يد القوات الأميركية الخاصة، وبعد القضاء المنهجي على قادة كبار آخرين في الغارات الجوية المركزة التي أمر بشنها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. وقد وسع الظاهري المنظمة لتشمل فروعاً في مناطق مهمة استراتيجياً.
يعتقد هوفمان أن لدى القاعدة، بعد أن نجا من أثقل حملة لمكافحة الإرهاب شنها الغرب، نحو 10.000 إلى 20.000 مقاتل في سورية؛ ونحو 7.000 إلى 9.000 في الصومال؛ و5.000 في ليبيا؛ و4.000 في اليمن، كما ينتشر عدد مماثل عبر منطقة المغرب والساحل الأفريقي؛ وهناك 3.000 مقاتل في إندونيسيا؛ ونحو 1.000 في جنوب آسيا.
ولم يأت هوفمان على ذكر آسيا الوسطى، حيث ينتمي عدد كبير من المسلمين إلى نسخة القاعدة من الجهاد. وهناك عدة آلاف من المقاتلين المنتمين إلى منظمات آسيا الوسطى ممن يتواجدون في شمال سورية، ويعتقد بأنهم يتبعون سياسات تنظيم القاعدة المركزي الذي يقوده الظواهري، ويديره من المخابئ في الأراضي الباكستانية البعيدة عن يد القانون.
ويضيف هوفمان، الزميل الرفيع في مركز محاربة الإرهاب في الكلية العسكرية الأميركية: "التقدم الذي تم إحرازه في أدوات التواصل الرقمية التجارية... مكَّن قادة القاعدة وآمريه العسكريين من إدامة الاتصال عن طريق التشفير الآمن من طرف إلى طرف...
"وتبعاً لذلك، توزع قادته في سورية، وإيران، وتركيا وليبيا واليمن، مع بقاء مجموعة صغيرة فقط من النواة الصلبة لقادته الكبار الذين ما يزالون في أفغانستان وباكستان".
ويلاحظ إسحق كفير، مدير برنامج الأمن القومي في معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي، أن الاتصالات الآمنة تسمح "للقاعدة بتبني استراتيجية "كَونية-محلية"، والتي تربط بين المظالم المحلية وبين حملته العالمية".
بعد حرب العراق التي أنجبت "داعش" وعقيدته المتزمتة الوحشية، كان على تنظيم القاعدة أن يواجه التحدي الذي شكلته المجموعة الناشئة في وقت فقد فيه التنظيم قادته الرئيسيين، ومنظريه، ومفكريه الاستراتيجيين وقادته العسكريين.
كان مركز الصدع متركزا في سورية، حيث تدور قمة الصراعات في الشرق الأوسط وحيث أعلن "داعش" في العام 2014 إقامة خلافة إسلامية بعد الاستيلاء على مساحات شاسعة من العراق وسورية. وقد شجع نجاح "داعش" عددا كبيرا من المقاتلين المنتمين إلى القاعدة على الانفصال عن التنظيم المركزي واستراتيجيته طويلة الأمد.
كان الأهم من بين الانشقاقات ذلك التمرد داخل صفوف القاعدة في شمال سورية، والذي قاده أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة، ليؤسس منظمة منافسة. وأفضى ذلك إلى إراقة الدماء وأحدث صدوعاً عميقة في داخل المؤسسة الجهادية.
ويقول هوفمان أن استراتيجية الظواهري كانت مصممة "لحماية قيادة التنظيم العليا المتبقية وترسيخ نفوذه سراً على أي مكان تتمتع فيه بوجود يعتد به".
وشرح هوفمان أن خطة الظواهري، كان تستند إلى ثلاث خطوات استراتيجية: "تعزيز نهج الفروع اللامركزية"؛ وتجنب عمليات القتل الجماعي، "خاصة تلك التي قد تقتل مدنيين مسلمين"، وتؤدي إلى تنفير أعداد كبيرة من المسلمين؛ و"جعل "داعش" يمتص كل ضربات التحالف المحتشد ضده"، بيما يقوم القاعدة باستعادة قوته العسكرية بطريقة غير ملحوظة.
سمحت هذه الخطة لتنظيم القاعدة الجديد بتصوير نفسه على أنه "متطرفون معتدلون –ومنافس أقل جنوناً وأكثر قبولاً من "داعش""، كما يقول هوفمان.
لذلك، اتخذ الظواهري كما يبدو قراراً مصيرياً بتجنب شن الهجمات على الولايات المتحدة والغرب –في الوقت الحالي على الأقل- من أجل تقليل الأعمال التي يمكن أن تهدد القاعدة الجديد إلى الحد الأدنى، وإعطائه الوقت والمساحة لإرساء الترتيب الجديد بقوة.
ليس من الواضح كم يتوقع الظواهري أن يحتفظ بهذا التوقف. ولم ينفذ القاعدة أي هجوم رئيسي في الغرب منذ قيام أربعة مفجرين انتحاريين بمهاجمة نظام النقل في لندن في 7 تموز(يوليو) 2005، مما أسفر عن مقتل 56 شخصاً، بمن فيهم الأعضاء أنفسهم، وإصابة 700 آخرين.
كانت الغزوة الوحيدة التي نفذها التنظيم في الغرب منذ ذلك الحين هي عمليات القتل في شارلي إيبدو في باريس يوم 7 كانون الثاني (يناير) 2015، لكنه يستطيع، كما يفترض، أن يعيد تنشيط عملياته الخارجية في أي وقت يختاره قائده. وفي الحقيقة، يقال أن منظمة الظواهري الجديدة يقودها مقاتلون أشداء من قدامى المحاربين المتمرسين في مثل هذه العمليات.
كما يجب ملاحظة أن الظواهري أكد في رسالة تحشيد بُثت في 20 آذار (مارس) عبر ذراع القاعدة الإعلامي، "السحاب"، على أن الولايات المتحدة تظل "العدو الأول" للعالم الإسلامي.
وأعلن الظواهري: "هذه هي أمتنا الإسلامية، ولذلك دعونا نقاتل أميركا في كل مكان حيثما يتجاوزون علينا. دعونا نتوحد في مواجهتها ولا ننقسم".
كان أحد الأسباب التي جعلت "داعش" يفقد خلافته المزعومة ذاتياً هي تنفيره واسع النطاق للمسلمين الذين حكمهم خلال فترة خلافته القصيرة بسبب وحشيته المنظمة وتأويله بالغ التشدد للشريعة.
في المراحل الأولى من عملياته، كان تنظيم القاعدة مذنباً بتنفير المسلمين، بشكل رئيسي من خلال نسخته المتشددة وغير المتسامحة من الإسلام السني، وعدائيته تجاه المصالح والممارسات القبَلية السائدة في العالم الإسلامي.
مع ذلك، تبنى الظواهري منذ وقت طويل نهجاً أكثر اعتدالاً ولعب على تجاوزات "داعش" الوحشية لتعزيز تأويل القاعدة للالتزام الإسلامي في معركته الأيديولوجية مع "داعش".
يلاحظ توماس آر. ماكابي، المحلل السابق لمكافحة الإرهاب في وزارة الدفاع الأميركية، في ورقة لمنتدى الشرق الأوسط، والتي نشرت في الأول من آذار (مارس): "مهما تكن الدرجة التي تعلم بها تنظيم القاعدة من أخطائه وقام بتعديل استراتيجيته، فإن التعديلات الأخيرة التي أجرتها المجموعة تجعلها أكثر خطورة –وربما أكثر نجاحاً".
وخلص ماكابي إلى القول: "إن حرباً ضد القاعدة بعد تجديده ستكون أكثر صعوبة حتى من الحرب ضد الجماعات الجهادية الموجودة. وبما أنه لن يهدد الغرب في الوطن، فسوف يكون من الأصعب تحشيد إرادة المقاومة ضده... وسيكون إلحاق الهزيمة بهذا ’القاعدة" أصعب من هزيمة ‘داعش’، ولذلك يشكل خطراً أكبر".
ويتفق هوفمان ومعاصره على أن القاعدة 2.0 يشكل تهديداً رئيسياً للغرب، خاصة من فرعيه السوري واليمني.
ويلاحظ تشارلز ليستر، مدير مكافحة الإرهاب والتطرف في معهد الشرق الأوسط، والذي درس عمل الجهاديين في الميدان لسنوات، أنه حتى مع عملية إعادة التنظيم الكبيرة التي أجراها الظواهري، فإن العديد من الجهاديين الملتزمين يظلون خارج التنظيم معاد التسمية، على الرغم من أنهم "يظلون موالين تماماً لرؤية أسامة بن لادن للجهاد العالمي".
ويقول ليستر في تحليل نُشر في الأول من حزيران (يونيو) الماضي: "بالنسبة لهؤلاء الإرهابيين، تظل الولايات المتحدة هي العدو رقم واحد، وقد أصبح شمال غرب سورية ملاذاً آمناً لا يقدر بثمن، والذي يستطيع القاعدة أن ينشر نفسه منه عالمياً".
ويضيف: "لقد اندمج العديد من هؤلاء الموالين للقاعدة الآن في جماعة جهادية جديدة تعرف باسم "تنظيم حراس الدين"، والتي يبدو أن أنها تندرج ضمن نطاق مشروع الظواهري للمنظمة ذات المظهر الجديد في سورية.
ويحذر ليستر: "بقيادة مخضرمي القاعدة، بمن فيهم ثلاثة أعضاء على الأقل من مجلس القيادة العالمي للمجموعة، يشكل تنظيم "حراس الدين" حركة خطيرة للغاية، والتي تشكل تهديداً إرهابياً محتملاً لأصول الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وما وراءه".

*مساهم منتظم في "ذا أراب ويكلي". يغطى شؤون الشرق الأوسط من العام 1967.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Al-Qaeda 2.0 emerges from power struggles

التعليق