أمهات يحولن الإعاقة لمصدر سعادة

تم نشره في الخميس 12 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

ربى الرياحي

عمان- هن أمهات حفرن بأيديهن الصخر.. تسلحن بإرادتهن وبحقهن في أن يكن "حكاية حب" تنبض بالحياة، وتجسد أيضا أسمى معاني التضحية والإيثار.. لم تكسرهن الإعاقة.. ولم تمنعهن من أن يحققن حلما لطالما راودهن. قويات صامدات يواجهن العالم بصبرهن وبإحساسهن المرهف.
بحنانهن ودفء مشاعرهن يصنعن جيلا يؤمن بالاختلاف.. تحركه إنسانيته وحبه الكبير لعمل الخير.. يقدر جيدا ذلك القلب الذي يحتضنه وكأن جزءا منه يتألم لألمه ويفرح لفرحه.. قلبا سانده في كل خطواته رغم الصعوبات كان وما يزال له الملاذ الآمن.
فداء محمد.. أم كفيفة لثلاثة أطفال ترفض تلك الاتهامات التي تستنكر عليها هذا الحق، وتقول "أبنائي مصدر سعادتي وقوتي بعيونهم أرى الحياة وبلمساتهم الحانية أقاوم قسوة الظروف والتحديات الكثيرة التي لا بد منها.. معهم يصبح المستحيل ممكنا وأتجاوز حقيقة أنني بالنسبة للآخرين حالة استثنائية ينظرون إليها باستغراب أحيانا وبشفقة أحيانا أخرى".
وتتابع "جميعنا نمر بلحظات ضعف نفقد ربما القدرة على تحديد المسار.. تحيط بنا الهموم من كل الاتجاهات، لكننا مع ذلك نبقى متماسكين مصرين على التصدي لذلك الاستنكار الذي نقرؤه على وجوه قاسية.. تعتقد بأن حلم الأمومة أبعد ما يكون عن فتيات كتبت عليهن الإعاقة، فكان لا بد لهن من أن يعترضن على سطحية تفكير البعض والرد عليهم، وذلك من خلال إثباتهن لأنفسهن، والتأكيد أنهن جديرات بتحقيق هذا الحلم كغيرهن".
وتبين أنها كأي أم تجيد الاعتناء بأبنائها تتولى هي بنفسها تدبير شؤونهم سواء كان ذلك من الناحية النفسية أو الدراسية أو النظافة الشخصية، وتضيف "أنا لا أمتلك قوى خارقة، ولكن لدي ما يكفي من الإمكانات لأكون "أما ناجحة" تعرف جيدا كيف تحتوي أبناءها بحبها وحنانها، متجاوزة عبارات اللوم والعتاب التي تسمعها ممن حولها".
وحول ذلك، تقول "كثيرة هي الرسائل المبطنة التي توجه إلي.. تحمل في مضمونها معاني موجعة تدينني في الدرجة الأولى وتتعمد إشعاري بأني أنانية"، هذا تماما ما حاولت إحدى الجارات إيصاله لها، حينما قالت لها "مشان تكوني أم بس رضيت إنك تتجاهلي وجع أبنائك"، وتضيف "صحيح آلمني ذلك الاستنكار المجحف، لكنه في الوقت ذاته جعلني أقوى لا أكترث نهائيا بتلك الانتقادات الجارحة، والتي تهدف إلى إضعافنا نفسيا واجتماعيا وزعزعتنا من الداخل بدون أدنى ذنب".
أما إكرام صالح، والتي أقعدها الشلل النصفي على كرسي متحرك منذ أن كانت صغيرة، فترى أن تجرؤ البعض واعتراضهم الصريح على زواج فتيات من ذوي الإعاقة ورغبتهن في إنجاب أطفال يكونون لهن عونا في المستقبل هو في حد ذاته اعتداء موجع، فيه الكثير من الجهل والإيذاء المعنوي، وأيضا تدخل غير مبرر في حياة الآخر.
وتضيف "الإعاقة في حقيقتها قوة كامنة باستطاعتنا توجيهها فيما يحقق لنا السعادة، ويجعلنا أقرب لأمنيات نستحق أن نمتلكها ونحولها إلى واقع يرضي تطلعاتنا إلى حد ما.. بدون أن يكون لأحد حق الوصاية على قراراتنا، وكأننا مسلوبو الإرادة غير قادرين على تحديد ما ينفعنا أو حتى يضرنا"، مبينة أن تجربتها مع الأمومة لم تكن أبدا سهلة، بسبب سلبية الأشخاص المحيطين بها وقسوتهم.
واجهت إكرام الكثير من الصعوبات أثناء الحمل بابنتها الوحيدة، لكن ذلك لم يثن عزيمتها أو يحبطها إطلاقا، بل كانت تستمد من معاناتها القوة والأمل.. تنتظر بشوق قدوم طفلتها التي لطالما رسمت لها صورة في خيالها، وتمنت أن تضمها بين ذراعيها، مؤكدة أن اللحظة الأجمل في حياتها كانت عندما أبصرت ابنتها النور وأصبح حلمها حقيقة.
إحساسها هذا كان نابعا من قدرتها على الصبر وتحمل لوم الكثيرين ممن حولها أولئك الذين استهانوا بإمكاناتها وكانوا دائما ما يذكرونها بصعوبة وضعها وبحاجتها للمساعدة مستنكرين عليها إقدامها على قرار كهذا وتجاهلها لحساسية الموقف وما قد يترتب عليه من مشكلات لا حصر لها وكأنهم هم المخولون بتقييمها وإصدار الحكم النهائي عليها، رافضين النظر إليها بعين العدل والمساواة لمجرد أنها أم تعيش وضعا خاصا، لكنها بالرغم من ذلك استطاعت أن تكون ذاتها وتتحدى مجتمعا ما يزال مقصرا في حق فئة تناضل من أجل أن تحمي أحلامها.
وترى أخصائية علم الاجتماع، الدكتورة رانية جبر، أن تعرض الأمهات من ذوي الإعاقة للوم واستنكار المحيطين ينبع من مدى جهلهم بإمكانات هذه الفئة المحبة للحياة والراغبة في أن تعيش كغيرها وتمارس حقها الطبيعي بحرية وبعيدا عن الأحكام المتسرعة التي يطلقها البعض ممن ينظرون إلى الأمور بسوداوية.
وتضيف "تسلح هؤلاء الأمهات بالقوة وبالإصرار على أن يحققن حلمهن هو الحل الوحيد لتمكينهن من تأدية واجباتهن تجاه أطفالهن على أكمل وجه والتأكيد أنهن ورغم الصعوبات قادرات على إثبات أنفسهن حتى لو كان المقابل مضاعفة جهودهن والصبر على كل التحديات التي قد تعيق حركتهن اجتماعيا وتؤثر بشكل أو بآخر على استقرارهن وسعادتهن الأسرية".
وتشير إلى أن أبناء الأم من ذوي الإعاقة غالبا ما يتمتعون بحس عالٍ ويقدرون أكثر تضحياتها، لكونها تحرص كل الحرص على أن تقدم لهم الأفضل حتى وإن كان ذلك يفوق قدرتها على التحمل، الأمر الذي يجعلهم يتعلقون بها جدا ويحاولون أن يتقاسموا معها أعباء الحياة ويكونوا عونا لها في المستقبل.

التعليق