مدنية الدولة في الإسلام

تم نشره في الجمعة 13 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

تطلق الدولة المدنية ويراد بها الدولة المقابلة للدولة الدينية التي يكون فيها الحاكم معيناً من قبل الخالق عز وجل، فهو ظل الله في أرضه، وهو ما يطلق عليه بالحكم الثيوقراطي، كما تطلق هذه الأيام في مقابل الدولة العسكرية التي استولى فيها الجيش على السلطة وتولى إدارة البلاد.
فالدولة المدنية ليست أياً من تلك الدولتين، فهي ليست دولة دينية يكون الحاكم فيها مفروضاً على الشعب بسلطة دينية، كما أنها في الوقت نفسه ليس دولة بوليسية مفروضة بالقوة العسكرية وقهر السلاح.
إن الدولة المدنية هي الدولة التي يكون الحاكم فيها منتخباً من قبل الشعب، وليس للحاكم فيها أي صفة دينية أو صورة من صور القداسة أو العصمة، وهو مسؤول مسؤولية كاملة عن تصرفاته، وهي الدولة التي يحكمها القانون فلا سيادة فيها إلا للقانون فالكل أمام القانون سواء، وقد عبر عن هذا المبدأ الخليفة الأول أبو بكر الصديق بقوله: "أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".
وإذا أردنا وصف الدولة في النظرية السياسية الإسلامية، فهي لا تخرج على كونها دولة مدنية؛ أي أن الحاكم فيها يتولى سلطته بتفويض وتوكيل من الشعب بقطع النظر عن الصورة التي يتم فيها هذا التفويض، كما أن الحاكم فيها ليس له أي عصمة أو قداسة وهو محاسب على جميع أقواله وأفعاله كأي مواطن آخر.
وهي بالإضافة إلى ذلك دولة القانون الذي يبسط سلطانه ويفرض سطوته على الجميع لا فرق بين قوي وضعيف رئيس ومرؤوس، وقد اعتبر الإسلام سيادة القانون عنصراً مهماً لاستقرار الدول والمجتمعات، وأن الإخلال بهذا المبدأ هو أحد أهم أسباب زوال الدول والحضارات، فقد ورد في الحديث قوله عليه السلام: "أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعتُ يدها".
وقد أجمع العلماء على وجوب تنصيب رئيس للدولة لحماية البلاد والمحافظة على حقوق المواطنين وصيانة الأمن العام وتحقيق مصالحهم العامة، وأن هذا الحاكم يجب أن يحظى بقبول من الشعب وتفويض منهم، فهو ليس مفوضاً من قبل الإله، كما أنه ليس مفروضاً عليهم بقوة السلاح، وقد كان هذا الأمر يتم في عصر الخلافة الراشدة عن طريق ما يسمى بالبيعة التي تمنح الحاكم السلطة وتعطيه التفويض لإدارة شؤون البلاد والعباد، وبقيت الأسر التي حكمت العالم الإسلامي على مدار تاريخها تطلب البيعة من الشعب حتى وإن كانت بيعة شكلية صورية، لإثبات شرعية السلطة واستحقاقها للحكم، وهذا يدل على أن الشعب هو مصدر السلطة وصاحبها.
ومع تطور الحياة وتقدمها، ظهرت نظم انتخاب ووسائل اقتراع جديدة ومعاصرة، تعد الوسيلة الفضلى في نظر التشريع الإسلامي لتولي السلطة بطريقة يكون الحاكم فيها معبراً تعبيراً كاملاً عن إرادة الأمة وضميرها، ومما يدل على ذلك أنه لم يرد في القرآن الكريم أو في السنة النبوية طريقة معينة لتنصيب هذا الحاكم، مما يجعلها خاضعة لظروف الزمان والمكان، فالنبي عليه السلام لم ينصب حاكماً بعده ولم يعهد بالأمر لغيره، بل ترك الأمر شورى بين المسلمين.
وأنا أعتقد أن انتخاب رئيس الدولة سواء كان بالانتخاب المباشر أو عن طريق المندوبين المنتخبين من قبل الشعب؛ أي أهل الحل والعقد بلغة الفقهاء، يعد أمراً شرعياً يعبر عن مقاصد الشريعة بطريقة صحيحة وسليمة، خاصة وأن منهج الشريعة في تشريعها للأحكام هو النص على المقاصد والغايات والعناية بها وترك الوسائل للظروف والأحوال.
ولا تتحقق مدنية الدولة إلا بالفصل بين السلطات وتحقيق التوازن بينها، وأنا أعتقد أن هذا مبدأ شرعي، وهو من الضمانات المهمة التي تحمي حقوق المواطنين وحرياتهم العامة، وتحد من التعسف في استعمال السلطة، ولا يجوز في هذا المقام القياس على فعل النبي الذي تولى بنفسه السلطات الثلاث، لسبب بسيط هو أنه لا يمكن قياس حالة إنسان قابل للخطأ والصواب ومحكوم بغرائزه على نبي معصوم من الخطأ والزلل، وقد دل الواقع على أن تركيز السلطات واختزالها في سلطة واحدة يؤدي إلى الاستبداد والطغيان وفساد الأحوال والأوضاع؛ لأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، فلا بد من تقييدها، ولا يتم تقييدها إلا عن طريق الفصل بين السلطات وتحقيق التوازن بينها، فكل سلطة تقوم بوظيفتها فلا سلطان عليها إلا للقانون الذي يسمو على الجميع.
إن القول بمدنية الدولة هو المفهوم التي يستحق مع مقاصد الشريعة، وهو الذي يحمي المجتمعات الإسلامية من الطغيان والاستبداد، الذي هو سبب كل خراب وفساد.

التعليق