الحكمة بأثر رجعي!!!

تم نشره في الخميس 12 تموز / يوليو 2018. 11:09 مـساءً

ما أسهل الحكمة بأثر رجعي!!! وما أكثر الحكماء الرجعيين!!! إن كثيراً من الناس يصبحون حكماء بعد وقوع الحادثة، أو مرور الوقت عليها. يقول كل واحد منهم مثلاً: لماذا لم يوافق الزعماء الفلسطينيون والعرب على التقسيم سنة 1947، ولم يقبلوا به؟ ولماذا لم يعملوا كذا أو كذا؟ ويعجبون من تضييعهم الفرص. وفي بعض الأحيان يلعنونهم عليه بحجة أن رفضهم غيّر مجرى التاريخ لصالح العدو!!!
وهكذا ينشغل كثير من الأبناء والأحفاد بشتم الآباء والأجداد لرفضهم التقسيم، وإقامة دولة خاصة بهم في نصف فلسطين -تقريباً- ويضيفون: إذن لما وقعت الحرب ولا هُجرنا وتشردنا.
ترى لو كانوا أو كنّا مكانهم وفي زمانهم أنفعل غير هذا؟ هل كنا نعرف عن موازين القوى في العالم مثلما كان العدو يعلم؟ هل كان يدخل في تفكيرنا في حينه التنازل عن أكثر من نصف الوطن لمهاجرين قادمين من وراء البحار؟ لو وافقنا وقبلنا لكانت الحكمة بأثر رجعي بالعكس، ولاتهمنا بالخيانة لتنازلنا للعدو عن نصف وطننا العزيز، ولاعترفنا له في الحق في ملكية هذا النصف.
كان قبولنا للتقسيم في تلك الأوقات لا يشكل خيانة للتاريخ والحقوق الثابتة فقط، بل جنون أيضاً، فنحن لم نعرف حتى تاريخه حدثاً من هذا النوع، فكيف نقبله ونوافق عليه؟ ماذا سيقول التاريخ عنا. ولذلك رفضنا التقسيم وقاومنا -متحمسين- باستعداد الأشقاء العرب لإرسال جيوشهم إلى فلسطين لمنعه. وهكذا بقينا نفعل مع كل قرار أو اقتراح دولي ينتقص من حقوقنا.
وينطبق الأمر نفسه على الثورة العربية 1916، فقد استفزت سياسة التتريك والإعدامات في أواخر الدولة العثمانية المريضة الشباب العربي المتعلم آنذاك في أرقى الجامعات الأوروبية والعثمانية، فقرروا الثورة عليها بقيادة الشريف حسين، لتحقيق الحرية والاستقلال مثل بقية شعوب العالم. كان الشباب صادقين ومخلصين، وكانوا متحمسين. كانت آمالهم كباراً.
غير أن الحكمة بأثر رجعي (Hind sight, in retrospect) ظلّت تطاردهم، مع أن أصحابها سيقومون بالثورة نفسها لو كانوا مكانهم ولنبا السيف في الحالتين نتيجة خيانة الحلفاء، فكان الله في عونهم على البلاء والشقاء والتداعيات التي ألمت بهم وبخرت آمالهم، بعدها.
وبما أن الحكماء بأثر رجعي لا يقرؤون التاريخ بصورة صحيحة، فإنهم يتذاكون على الأجداد والآباء ويزايدون عليهم بكلمة "لو". مثلهم في ذلك مثل المتفرجين الذين يتذاكون على اللاعبين في كرة القدم عادة. لا يعني ذلك منع النبذ، وإنما يعني قراءة التاريخ بلغة صحيحة.
وبسريان لغة الحكماء في التخوين والرجعية للأجداد والآباء داخل العسكر واشتغال هؤلاء في السياسة بدلاً من الاستعداد المقارَن مع العدو لخوض المعركة المقبلة، قاموا بانقلابات عليهم وصفوهم سياسياً، أو إدارياً، أو جسدياً، فكانت النتيجة طامة كبرى في سنة 1967م.
ومع هذا وعلى الرّغم منه ظل شعب فلسطين يرفض العروض الكاذبة بالفعل، لأنها تعني تشليحه فلسطين بالكامل ولكنه وافق أو -على الأصح- وافقت منظمته أو الممثل الشرعي والوحيد له، تحت الضغوط العربية والدولية في النهاية على كل ما طلب منها قبوله. فبأوسلو وافقت على التنازل عن ثلاثة أرباع فلسطين، ومع هذا لم تحصل على شيء. والحقيقة أنه ما دام الفلسطينيون يرفضون عروض الفتات الإسرائيلية ويقاومون فإن شعور إسرائيل -أفراداً ومنظمات ودولة- بالقلق الوجودي لن ينتهي.
لكن لماذا لا نفكر في أو لا نرى الوجه الآخر للتاريخ، أي لا نفكر بالحكمة على نحو مستقبلي/ بالاستبصار (Foresight) من مثل أن إسرائيل هي التي ترفض جميع العروض التي يقدمها الفلسطينيون والعرب لها. إنها ترفض أكثر مما رفض الفلسطينيون. إنها تفوّت الفرص. وإذا كان رفض الفلسطينيين ناجماً عن التمسك بالحق، فإن رفض إسرائيل ناجم عن غطرسة القوة. وأرى -بالحكمة الأمامية / الاستبصار- أن اليهود الصهاينة (إسرائيل) سيدفعون ثمناً هائلاً للرفض في قادم الأيام، فالتاريخ يعمل في جميع الاتجاهات، وأحبل بجميع الاحتمالات، وأرى بعيني إسرائيل كدولة تنتهي وتزول يوم الزحف الكبير عليها من جميع الجهات: فلسطينياً داخلياً وخارجياً، وعربياً وعالمياً، ومهما كان عدد الضحايا نتيجة لرفضها المتواصل لجميع العروض الفلسطينية والعربية. إني أرى هذا اليوم وإنه ليس ببعيد. هكذا تقول الحكمة بمنظور أمامي، وسيلومهم مفكروهم وحلفاؤهم... لرفضهم جميع العروض الفلسطينية والعربية لتصفية الصراع بعد هذا المصير.

التعليق