لحظة سبوتنيك الأميركية الثانية

تم نشره في السبت 14 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

ياشينغ هوانغ*

كمبريدج - ترتبط الحرب التجارية المزدهرة بين الولايات المتحدة والصين بالتكنولوجيا بقدر ما ترتبط بالتوازن التجاري. وتفيد بعض التقارير بأن وزارة الخزانة الأميركية تقوم بصياغة قوانين لمنع الشركات الصينية من الاستثمار في الشركات الأميركية التي تقوم بأعمال في ما يسمى "بالتكنولوجيا المهمة صناعيا". وفي غضون ذلك، تخطط وزارة التجارة الأميركية لإدخال قواعد جديدة لمراقبة الصادرات لمنع مثل هذه التقنيات من الوقوع في أيدي الصينيين.
تأتي هذه التحركات بعد قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فرض تعريفات جمركية على المنتجات الصينية بقيمة 50 مليار دولار، وكثير منها مدرج في قائمة أولويات "صنع في الصين للعام 2025"، وهي خطة الرئيس شي جين بينغ لتحويل الصين إلى شركة عالمية رائدة في مجال التكنولوجيا الفائقة، مثل صناعة الطيران، والروبوتات، والمستحضرات الصيدلانية، والآلات. وعلى الرغم من رفض الحكومة الصينية تعديل مبادرتها، إلا أن الولايات المتحدة تطالب الصين بإنهاء جميع الإعانات الحكومية والمنح المقدمة في إطار البرنامج. وقد وصلت المفاوضات التجارية بين البلدين إلى طريق مسدود حول هذه النقطة.
قلق أميركا بشأن خطة صنع في الصين العام 2025 هو شأن مفهوم؛ فقد كان نهج الصين في تطوير التكنولوجيا مثيراً للجدل. لكن هناك طرقاً أفضل للاستجابة لسياسات الصين، أو بالأحرى طريقتان.
بداية، على أميركا والشركاء التجاريين الآخرين في الصين الاستمرار في محاربة انتهاكات حقوق الملكية الفكرية في هذا البلد، فضلاً عن عدم المساواة في الوصول إلى أسواقها. وفي ظل المنافسة في السوق الحرة، لا ينبغي أن يتحقق نجاح بلد واحد في العلم والتكنولوجيا على حساب الدول الأخرى. ويجب أن تكون الابتكارات، مثل الأدوية الجديدة للسرطان أو الحوسبة السريعة، مفيدة للناس في كل مكان -وليس فقط أولئك المحظوظين في البلد الذي صنعت فيه هذه الاكتشافات.
بفضل عدد كبير من المواهب، تستطيع الصين تعزيز التقدم في العلوم والتكنولوجيا بنشاط، وينبغي للعالم أن يرحب بجهود الصين في الابتكار. لكن شروط المنافسة والتنمية يجب أن تكون مطابقة لقواعد السوق بدلاً من التسبب في تشويه السوق. ونظرا إلى سجل الصين المتعثر في الوصول إلى الأسواق وحماية الملكية الفكرية، فإن الولايات المتحدة محقة تماماً بشأن كيفية تأثير إستراتيجية "صنع في الصين 2025" على المصالح الأميركية. لكن على صانعي السياسة التركيز على فهم قواعد اللعبة، بدلا من محاولة إيقاف الابتكار الصيني في حد ذاته.
أما النهج الثاني فهو الأكثر أهمية: ففي الوقت الذي تطور فيه الصين ابتكارها، يجب على الولايات المتحدة الاستثمار أكثر في مؤسساتها العلمية والتكنولوجية. ويجب على القادة استخدام خطة صنع في الصين العام 2025، بدلا من الخوف منها، لتعزيز دعم العلوم والتكنولوجيا. وبعبارة أخرى، يجب  على خطة "صنع في الصين 2025" أن تصبح بمثابة "لحظة سبوتنيك" جديدة لأميركا.
 عندما أطلق الاتحاد السوفيتي في 4 تشرين الأول (أكتوبر) 1957 "سبوتنيك-1" بنجاح، وهو أول قمر من صنع الإنسان في العالم، تسبب هذا الإنجاز في صدمة للحكومة الأميركية، التي استجابت باستثمارات ضخمة في تكنولوجيا الصواريخ والبحوث والتعليم. وفي أقل من عام، وافق الرئيس دوايت أيزنهاور على تمويل الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء وأطلق مشروع عطارد، وهو أول برنامج وضعته وكالة "ناسا" لرحلات الفضاء البشرية.
وفي العام 1959، خصص الكونغرس مبلغ 134 مليون دولار لمؤسسة العلوم الوطنية، بزيادة قدرها 100 مليون دولار تقريبًا عن العام السابق. وبحلول العام 1968، ارتفعت ميزانية صندوق الأمن القومي إلى ما يقرب من 500 مليون دولار. وخلال هذه الفترة، قامت الحكومة الأميركية أيضا بتكثيف دعم الأبحاث ووجهت الأموال إلى برامج تعزيز مهارات الطلاب الأميركيين في الرياضيات والعلوم.
بشكل عام، ساهم رد الفعل الأميركي على إطلاق "سبوتنيك" في التقدم في مجالات مثل الطيران، والإلكترونيات الدقيقة، والدوائر المتكاملة، والاتصالات. وليس من المبالغة القول بأن السياسات الحكومية في تلك الفترة وضعت الأساس لعقود من الهيمنة الأميركية على تطوير العلوم والتكنولوجيا في العالم.
تستوجب خطة "صنع في الصين 2025" رداً مماثلاً. لكن في الوقت الحالي، ما يزال التزام أميركا بالابتكار منخفضاً. وقد فشلت إدارة ترامب في دعم الابتكار، كما أنها تعيق الاستثمارات في البحوث المتعلقة بالتكنولوجيا. وعلى سبيل المثال، يحاول ترامب إحياء أنواع الوقود القذرة مثل الفحم، التي كانت مصدراً للطاقة في الثورة الصناعية الأولى، بدلاً من الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة التي ستدعم "الثورة الصناعية الرابعة". وليس ترامب هو المسؤول الوحيد عن ذلك، فقد كان الكونغرس غير ملهم بشكل مماثل لسنوات. ووفقاً للجمعية الأميركية لتقدم العلوم، انخفض التمويل الفيدرالي للبحث والتطوير في العام 2017 بنسبة 23.6 % بالقيمة الحقيقية مقارنةً بالعام 2007. ومنذ العام 1976، انخفض الانفاق الفيدرالي على البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي -من 1.2 % إلى 0.7 % فقط هذا العام.  
وعلاوة على ذلك، وبدلاً من دعم التعليم المتقدم، اقترحت إدارة ترامب تخفيض 3.60 مليار دولار (أي بنسبة 5.3 %) لهذا الدعم من ميزانية نفقات التعليم في العام 2019. وفي الوقت نفسه، يفرض قانون الضرائب الذي أقره الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون في كانون الأول (ديسمبر) 2017 ضريبة غير مسبوقة على الصناديق المالية الجامعية التي تزيد قيمتها عن 500.000 دولار لكل طالب. وفي حين ستتأثر مجموعة قليلة من الكليات، فإن أكثر المناطق تضرراً من هذه الضريبة هي المراكز الرئيسية للأبحاث مثل معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة شيكاغو وهارفارد وستانفورد، وهي المؤسسات التي يجب على الولايات المتحدة الاعتماد عليها للحفاظ على ميزتها التنافسية.
إن أميركا بحاجة إلى مبادرة تكنولوجية أخرى. فالابتكار يكره الفراغ. وإذا فشلت الولايات المتحدة في تحسين دعمها العلمي والتكنولوجي، سيكون على الدول الأخرى سد هذه الفجوة. وبعد كل شيء، فاٍن عدو الابتكار الأميركي ليس التجارة أو خطة صُنع في الصين 2025. إن العدو الحقيقي هو افتقار القادة الأميركيين إلى الرؤيا.
*أستاذ البرنامج الدولي في الاقتصاد والأعمال الصينية، وأستاذ للاقتصاد العالمي والإدارة في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا.

التعليق