ما يقوله نجاح فرنسا وبلجيكا في كأس العالم عن الهجرة الأوروبية

تم نشره في الأحد 15 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • اللاعب الفرنسي كليان امبابي يحتفل بتسجيله هدفاً في كأس العالم – (أرشيفية)

أفشين مولافي* - (الواشنطن بوست) 6/7/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

عندما اجتذب الفريق الوطني الفرنسي لكرة القدم أنظار العالم قبل عقدين بفوزه على المنتخب البرازيلي القوي بنتيجة 3 أهداف مقابل صفر في المباراة النهائية لكأس العالم، لم يكن كيليان امبابي قد وُلد بعد. وقد حقق المهاجم الفرنسي البالغ من العمر 19 عاماً في إحدى مباريات المونديال الأخير إنجازاً لم يحققه قبله سوى لاعب واحد، حيث سجل هدفين في مباراة واحدة في كأس العالم وهو في سن المراهقة.
ومَن كان اللاعب الآخر الذي حقق ذلك الإنجاز؟ الأسطورة البرازيلية، بيليه، في العام 1958 عندما ظهر بقوة للمرة الأولى على المسرح العالمي. وليست هذه رفقة سيئة بالنسبة لابن أب كاميروني وأم جزائرية، والذي نشأ في ضواحي باريس معجباً بمثله الأعلى، البرتغالي كريستيانو رونالدو.
في حين أن امبابي موهبة غير عادية، فإن خلفيته كابن لمهاجرَين من الجيل الأول إلى فرنسا تجعله لاعباً نموذجياً في الفريق الوطني الفرنسي. وفي واقع الأمر، فإن 17 من أصل الفريق الفرنسي المكون من 23 لاعباً الذين شاركوا في كأس العالم لهذا العالم هم من أبناء مهاجرين من الجيل الأول. كما أن هناك فِرقاً أوروبية أخرى تمتلئ باللاعبين الموهوبين من أبناء المهاجرين أو من المهاجرين الجدد أنفسهم، وخاصة فرق سويسرا وبلجيكا.
كان ذلك الفريق الفرنسي المشهور الذي حصل على كأس العالم في باريس في العام 1998 قد لفت الانتباه بتنوعه الثقافي أيضاً. وفي ذلك الوقت، قيل بلهجة انتصارية أن الألوان الفرنسية الثلاثة، تحولت من الأبيض والأزرق والأحمر، إلى "الأسود، والأبيض و’الزبدي‘"، وهو مصطلح أطلق على العرب المنحدرين من أصل شمال أفريقي).
خلال الاحتفالات التي أعقبت ذلك، أشاد القادة السياسيون الفرنسيون بانتصار "الزرق" -كما يُعرف الفريق الوطني- ليس باعتباره فوزاً في ملاعب الكرة فحسب، وإنما باعتباره انتصاراً لـ"النموذج الفرنسي" من التنوع والشمول. ووصفت صحيفة لوموند الشهيرة الفريق بأنه "رمز لتنوع البلد ووحدته". وأضفى "الزرق" وهجاً ذهبياً على فرنسا في تلك اللحظة المشرقة.
لكن ذلك لم يدُم. فبركوب موجة ردة فعل معادية للهجرة في فرنسا، حصل السياسي من أقصى اليمين، جان-ماري لوبان، على نسبة كبيرة بلغت 17 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في العام 2002 -في تذكير بأن الرياضات يمكن أن تقطع شوطاً محدوداً فقط في شفاء الشقوق الاجتماعية العميقة. وكان لو بان قد اشتكى سابقاً من أن هوية الفريق متعددة الثقافات لم تبدُ فرنسية بما يكفي بالنسبة له. وفي حين أن لو بان تعرض لهزيمة ساحقة على يد جاك شيراك في جولة الإعادة، فقد تسارعت وتيرة القلق من المهاجرين التي روجها على مدار العقد ونصف العقد السابقين، عبر الديمقراطيات الغربية الأخرى أيضاً بينما تزايد عدد المهاجرين، ومعه قلق الطبقة الوسطى وغياب استقرارها الاقتصادي.
في حين أن كأس العالم احتل صدارة المشهد في عالم الرياضة هذا الصيف، فقد احتل موضوع الهجرة صدارة المشهد في السياسة الأوروبية. وكادت حكومة المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، تنهار تقريباً بسبب الانقسامات بين شركائها في الائتلاف حول موضوع الهجرة. وفي بريطانيا، ساعدت مشاعر عدم الارتياح بسبب الأعداد الكبيرة من المهاجرين في توجيه التصويت نحو مغادرة الاتحاد الأوروبي "بريكست". وفي فرنسا، خاضت ماريان لوبان من الجبهة الوطنية معركة أعنف من التي خاضها والدها خلال خسارتها الانتخابات في العام 2017 لصالح الرئيس إيمانويل ماكرون، وحصلت على ثلث أصوات الناخبين الفرنسيين. وقد اشتكت هي، أيضاً، من أنه "عندما أنظر إلى ‘الزرق’، فإنني لا أميز فيهم فرنسا ولا نفسي".
ويستمر ذلك في أماكن أخرى. فقد صوت السويسريون (نعم، السويسريون!) لصالح حزب معادٍ للهجرة ليقود برلمانهم قبل ثلاث سنوات؛ وهددت الرابطة اليمينية المتطرفة الإيطالية بحملات ترحيل جماعية للمهاجرين غير الشرعيين خلال حملتها السياسية للعام 2018. وفازت الرابطة بمعظم الأصوات، وشكلت حكومة ائتلافية مع حركة "النجوم الخمس" اليسارية الشعبوية.
كما كان مشجعو كرة القدم الإيطالية أيضاً من بين الجماهير الأكثر عنصرية تجاه اللاعبين الأفارقة. وقد اشتكى رئيس اتحاد كرة القدم الإيطالي ذات مرة من أن "آكلي الموز" يجتاحون البطولات المحترفة في إيطاليا. وتحتل إيطاليا مكانة منخفضة بين الفرق الأوروبية فيما يتعلق بارتداء المهاجرين من الجيل الأول قميص الفريق الوطني. (فشل المنتخب الإيطالي في التأهل لنهائيات كأس العالم لهذا العام).
في الأثناء، يقوم آخر فريق متعدد الثقافات بإدارة الرؤوس في بلجيكا، بعدد سكانها الصغير الذي لا يزيد على 11 مليون نسمة. وبفريقها المليء بالأبناء الموهوبين والمُجدين للمهاجرين من الجيل الأول من الكونغو والمغرب وبوروندي ومالي وغيرها، وصلت بلجيكا إلى بطولة كأس العالم، وهي تحتل المرتبة الثالثة في التصنيف العالمي. واستطاع البلجيكيون الوصول إلى الأدوار نصف النهائية عندما فازوا على البرازيل بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، ليلعبوا بعد ذلك ضد الفريق الفرنسي.
يأتي التحول الذي حققته بلجيكا في كرة القدم في صدر الحديث عن برنامج إعادة تنشيط اللعبة. وقد بدأ التغير على مستوى الجذور في أوائل الألفية، مع تركيز خاص على المهارات الفنية وتطوير الشباب على مستوى الأمة. وترافق ذلك مع برنامج وطني لاستخدام كرة القدم للمساعدة في دمج المهاجرين الجدد. وتبين أن هذا مزيج قوي، حيث تمكن ما يدعى "الجيل الذهبي" من اللاعبين البلجيك المولودين في تلك الحقبة من لعب أدوار البطولة في بطولات الدوريات الأوروبية رفيعة المستوى.
مع ذلك، كاد "الشياطين الحمر"، كما يعرف الفريق البلجيكي، يسقطون في الهاوية عندما صدمهم منتخب اليابان المترابط بتسجيل هدفين سريعين في بداية الشوط الثاني من مباراتهما في دور الستة عشر. وبالحفاظ على الثبات ورباطة الجأش، حقق البلجيكيون واحدة من أعظم العودات في تاريخ مباريات دور الستة عشر في كأس العالم، وتمكنوا من التسجيل ثلاث مرات خلال 30 دقيقة مثيرة من كرة القدم، والتي سيتم تذكرها طويلاً في سجلات "اللعبة الجميلة".
في هدف الفوز، مارس النجم المهاجم، روميليو لوكاكو، ابن المهاجرَين الكونغوليين، خدعة ماهرة حين ترك الكرة تمر من بين قدميه بينما كان ناصر الشاذلي، ابن المهاجرَين المغربيين، ينسل من الجانب الأيسر ويُغيِّر الفائز في المباراة. وقبل ذلك، كان هدف التعادل في المباراة قد سُجل برأس ابن مهاجرَين مغربيين أيضاً، مروان فيلايني.
لم يقتصر الأمر على أن المنتخب الوطني البلجيكي أصبح رمزاً للتعددية الثقافية فحسب، على نحو يشبه إلى حد كبير ما شكله "الزٌّرق" في التسعينيات، وإنما أصبح أيضاً قوة توحيدية قوية في بلد معروف بانقساماته. وكانت منطقة فلاندرز الشمالية التي يتحدث غالبية سكانها الهولندية قد وجهوا دعوات متكررة إلى الانفصال عن بقية البلد، والبلجيكيون هم من بين الشعوب الأقل قومية في أوروبا. ويبدو البلد دائماً على حافة الانقسام. وكما يكتب كاس مودي، المتخصص في دراسة الشعبوية في أوروبا في جامعة جورجيا، فإن الأحزاب المؤيدة لبلجيكا "تطلعت دائماً إلى الشياطين الحمر لتعزيز الروح البلجيكية لمواطنيها".
في بلجيكا، امتزج القلق التقليدي من الهجرة بالمخاوف من الإرهاب بعد تفجير العام 2016 في بروكسل، الذي قاده إسلاميون متطرفون محليون وقتل 32 شخصاً وأصاب البلد بالصدمة. ويمتلئ الحي الذي جاء منه الإرهابيون، مولينبيك، في بروكسل، بالجيل الأول من أبناء وبنات المهاجرين من أصول شمال أفريقية. وقد تسبب حزب إسلامي محافظ تسابق في الانتخابات البلدية البلجيكية في الخريف التالي بمفاقمة التوترات في أوساط معينة حول صعود الإسلام في البلد.
لن يتمكن الشياطين الحمر البلجيكيون، تماماً مثل "الزرق" الفرنسيين، من حل مشاكل بلدانهم. ولكن، بينما ترتفع حدة النقاش حول الهجرة في أوروبا، فإن الفريق البلجيكي يمكن أن يشير إلى مثال للتكامل الناجح القائم على الجدارة، بينما تتعزز الروح الوطنية، عندما يلعب كرة القدم الراقية أمام ملايين المشاهدين.

*زميل رفيع في "معهد السياسة الخارجية" في كلية الدراسات الدولة المتقدمة في جامعة جون هوبكنز، واشنطن.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What France and Belgium’s World Cup success says about European immigration

التعليق