المخاطر الحقيقية التي تهدد الاتحاد الأوروبي

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

كريس باتِن*

لندن- مع اقتراب خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، أصبح الحديث اليومي للجميع في المملكة المتحدة، بدءاً من وزراء الحكومة حتى الصحف الصفراء، هو الصفقة التي ستُعقد مع الاتحاد الأوروبي والآثار التي ستخلفها تلك الصفقة، لكن الاتحاد الأوروبي يواجه كثيراً من التحديات الملحة التي تشغله عن بريطانيا.
إن مخاوف المملكة المتحدة يمكن تفهمها، فالأدلة تتزايد بشأن احتمالات وقوع أضرار قد تضرب اقتصاد المملكة المتحدة جراء خروجها من السوق الموحدة والاتحاد الجمركي الأوروبي. وقد توصل بحث جديد صدر عن مركز الإصلاح الأوروبي إلى أن اقتصاد المملكة المتحدة قد انكمش بالفعل بنسبة 2.1 % عما كان سيكون عليه لو كان المصوتون قد اختاروا البقاء. ويبلغ مجموع الضرر الذي أصاب الموارد المالية العامة 440 مليون جنيه إسترليني (579 مليون دولار أميركي) في الأسبوع الواحد.
ما يثير قلق الكيانات التجارية هو نقص المعلومات بشأن كيفية سير الأمور عند خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. فقد ناشد مؤخراً يورجين ماير -الرئيس التنفيذي لشركة سيمنز المملكة المتحدة- القادة البريطانيين من أجل إيضاح كيف ستسير التجارة مع الاتحاد الأوروبي، كما حثهم على التأكد من أن البلد سيظل داخل الاتحاد الجمركي. وحذرت شركة "إيرباص" من أن "عدم التوصل إلى اتفاق" قد يجبرها على إعادة تقييم وضعها في البلد على المدى الطويل، وهو ما يعرض آلاف الوظائف البريطانية للخطر. وأكدت شركة "بي إم دبليو" التزامها بالبقاء في المملكة المتحدة، إلا أنها حذرت من أن التكاليف يمكن أن تزيد.
لم تكن تلك التحذيرات موضع ترحيب من مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي، فقد وصفها وزير الصحة البريطاني، جريمي هانت، بأنها "غير ملائمة تماماً"، مشدداً على أنها "تُضعف" رئيسة الوزراء تيريزا ماي. ولكن تيريزا ماي تُبلي بلاء حسناً في إضعاف نفسها بنفسها: فقد شهدت مزاعمها بأن "أرباح الخروج من الاتحاد الأوروبي" ستمول جزئياً الزيادة في نفقات الخدمات الصحية الوطنية إدانة واسعة النطاق، واعتُبرت أكذوبة.
ولكن، ما رأي الاتحاد الأوروبي نفسه في كل ذلك؟ يبدو أن قادة الاتحاد الأوروبي قد سلَّموا بأننا نحن البريطانيين قد فقدنا صوابنا، وأنه ليس لديهم الكثير ليفعلوه حيال ذلك. فهم بالتأكيد لن يقوضوا نموذجهم الاقتصادي الناجح القائم على القانون من أجل أن يُسْدُوا لنا معروفاً، فالضرر الذي سيقع على بريطانيا من جراء الخروج من الاتحاد الأوروبي سيكون أكبر بكثير من الضرر الواقع على الاتحاد الأوروبي.
إن الذي يمكن أن يضر بالاتحاد الأوروبي -بل ويهدد بنيته بالفعل- هو عدد كبير من التحديات الأخرى، بدءاً من تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصحة، بل وحتى بقاء التحالف بين ضفتي الأطلسي الذي يعد ركيزة أساسية من ركائز النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ويؤثر الرئيس الأمريكي بوضوح الدكتاتوريين على الديمقراطيين، ولا يكن أي احترام لحلفائه. وكان ثناؤه على رئيس كوريا الشمالية، كِيم جونغ أون، في القمة التي جمعتهما في سنغافورة مناقضاً تماماً لانتقاده لرئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بعد قمة مجموعة الدول السبع الكبرى في كيبيك.
إن أحد مواقف ترامب الأكثر إثارة للمشكلات هو موقفه المتعلق بالتجارة. فقد خلص، بناء على قصوره الشديد في فهم كيفية عمل التجارة، إلى أنها تجعل الولايات المتحدة في منافسة مع العالم بأسره. وبدلاً من أن يتعاون مع أوروبا واليابان وأن يدعم منظمة التجارة العالمية لمواجهة الأسلوب التجاري (الميركانتلية) الذي تنتهجه الصين، قرر أن يخوض ذلك وحده، مهاجماً حتى أقرب حلفائه، وهو ما ينذر بالتحول إلى حرب تجارية كاملة تضر الجميع، ولن تكون الصناعة الأميركية والمستهلكين الأميركيين أقل الخاسرين فيها.
ومن التحديات الأخرى الملحة التي تواجه أوروبا الهجرة كان اعتماد ترامب في بداية هذا العام سياسة تقضي "بعدم التسامح مطلقاً" بشأن الهجرة، ولن تؤدي هذه السياسة إلى الملاحقة القضائية لجميع البالغين -حتى طالبي اللجوء السياسي منهم- الذين يعبرون الحدود بصورة غير مشروعة فحسب، بل ستؤدي أيضاً إلى أخذ الأطفال بعيداً عن ذويهم لاحتجازهم وحدهم بعيدا عن آبائهم وأمهاتهم (وإن كان قد أصدر أمراً تنفيذياً منذ ذلك الحين بإلغاء الفصل بين أفراد العائلة). وهذا مثال ينبغي أن لا تفكر أي دولة متحضرة في أن تقتدي به. ومع ذلك، يبدو أن البعض في أوروبا يعتقدون أن هناك ما يسوغ إقامة سياج من الأسلاك الشائكة على طول الحدود (المجر)، أو أن هناك ما يسوغ إغلاق الموانئ في وجه السفن المكتظة باللاجئين (إيطاليا ومالطا).
لا شك أن مثل هذا السلوك يُنظر إليه بعين الرضا من إدارة ترامب. ويتلقى بالفعل الشعبويون اليمينيون في أوروبا استحساناً وعبارات تشجيعية من كبير المخططين الاستراتيجيين الأسبق للرئيس الأميركي، ستيفن بانون، بل ومن بعض السفراء الأميركيين أيضاً.
وفي الوقت ذاته، يُعاقَب الديمقراطيون الأوروبيون الذين لديهم رؤية متحضرة للإدارة. فما الذي فعلته ألمانيا لتستحق أن يكون ريتشارد جرينيل -الذي أكد رغبته في "تمكين محافظين آخرين"- سفيراً لديها من الولايات المتحدة؟ يبدو أن الإجابة هي أن المستشارة الوسطية، أنجيلا ميركل، قد تصدت لرغبات ترامب.
إلا أن نزع السم من أوروبا سوف يتطلب ما هو أكثر بكثير من مجرد توبيخ الولايات المتحدة والتوجه إلى الله بالدعاء من أجل الرحيل المبكر لترامب. ففي الواقع، يهدد نهج بعض قادة أوروبا في تناول مسائل مثل الهجرة بخلق مشكلات نظامية ستدوم لفترة طويلة بعد عودة ترامب إلى حياة ملاعب الغولف ومحاكم الإفلاس. وقد يكون لبعض العقلاء من القادة الأوروبيين عذرهم في ترك المملكة المتحدة تسير في الطريق الذي اختارته، وذلك حتى يمكنهم التركيز في المخاطر التي تهدد لُحمتهم الراسخة وقيمهم الأساسية.
كان الاتحاد الأوروبي يفتخر دائماً بأنه مجتمع ذو قيم تحمي الأقليات وترحب بالفقراء والمضطهدين. فالاتحاد الأوروبي في النهاية يتكون من أقليات، وقد نال نصيبه من الفقر والشدائد.
ولكن، ما القيم التي يمكن أن تجمع بين ديمقراطيين معتدلين مثل ميركل، وإيمانويل ماكرون رئيس فرنسا، ومارك روته رئيس وزراء هولندا من جهة، وبين زعماء سياسيين يمينيين في المجر وبولندا وإيطاليا، بل وحتى في النمسا؟ فمستشار النمسا الشاب المزعج، سيباستيان كورتز، يسعى بجد إلى حشد المعارضة ضد ميركل، وذلك على الرغم من موقفها تجاه اللاجئين الذي أنقذ النمسا من طوفان من طالبي اللجوء.
سوف يخبرنا المنطق السليم والخبرة بأن رفع شعارات الأنانية وانتهاك سيادة القانون والتنكر للالتزامات الدولية ليست هي الوصفة المثلى للسياسات الجيدة. فماكرون محق في قوله إنه ينبغي أن لا يستمر السماح لفيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، وياروسلاف كاتشينسكي، رئيس وزراء بولندا، بسرقة جيوب شركائهم الأوروبيين الأكثر ثراءً، بينما هم في الوقت ذاته يدوسون قيم الاتحاد الأوروبي بأقدامهم.
يتعين على الاتحاد الأوروبي مجابهة التحديات التي تواجهه بسياسات تتسم بالتماسك والتعاون وتجمع بين الفاعلية وبين الحفاظ على الكرامة الإنسانية الأساسية. ففي قضية الهجرة، على سبيل المثال، يجب عليه أن يعمل كوحدة واحدة على تعزيز حدوده، بينما يساعد في الوقت ذاته البلدان التي يفر منها السكان، وذلك من خلال المساعدة الإنمائية والتعاون الأمني. فبمزيد من الاستقرار وانفتاح الأسواق، ستتمكن تلك البلدان من تصدير منتجاتها، بدلاً من تصدير مواطنيها.
أما بريطانيا، فنحن مَنْ صنعنا سريرنا، فعلينا الآن أن نتحمل أي كوابيس تأتينا فيه.

*آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ، ومفوض سابق للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وهو مستشار لجامعة أكسفورد.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق