إبراهيم غرايبة

في الاستعداد للأعمال والموارد الجديدة

تم نشره في السبت 21 تموز / يوليو 2018. 12:08 صباحاً

رغم وضوح وواقعية التحديات في الأعمال والموارد والأسواق وعمق تأثيرها، فإن الاستجابات المقترحة لدى المنظمات الدولية ومراكز الدراسات والتفكير (وربما وزارة التخطيط!) مستمدة من بناء بيئة تعليم وتعلم وأعمال تساعد الأفراد والمؤسسات على استيعاب التحولات وإدارتها بكفاءة أو على الأقل بالمهارات الأساسية العامة التي تساعد على إدارة تحديات محددة وواضحة؛ إذ إنه ليس لدى أحد في واقع الحال إجابة واضحة أو قدرة كافية على التنبؤ واقتراح التكيف المتوقع، ليس لدينا سوى الخيال والإبداع (إن أمكن) وعمليات تفكير واستماع طويلة ودؤوبة، .. والنية الحسنة!

عرضت في مقالة الخميس اقتراحات للبنك الدولي في الاستجابة مستمدة من العدالة الاجتماعية والاستثمار في المواهب والتفوق وتحسين التعليم وتطويره، ومن الاقتراحات الأخرى في تقرير البنك عن التنمية؛ التوسع في تسهيل وصول جميع الناس إلى الإنترنت بتكاليف معقولة، ويمكن الاقتراح هنا على الحكومة التوسع في المساحات المشاعية للإنترنت، مثل الجامعات والحدائق والساحات والمحطات العامة. وبالطبع يظل أساسيا وملحا تطوير المرافق والخدمات الأساسية مثل الطرق والمدارس والمستشفيات والمراكز والأندية الاجتماعية والثقافية.

وما تزال أغلبية المواطنين غير مشمولة بمظلات التأمينات الاجتماعية والصحية، كما أن خدمات الرعاية والتمكين للمعوقين وكبار السن والفقراء والمهمشين وربات المنازل والعاطلين عن العمل ما تزال شبه غائبة وغير شاملة. وفي تغير أنظمة العمل التي صارت تبتعد عن المؤسسية والعقود والانتظام نحتاج إلى التفكير في أنظمة جديدة وأكثر تقدما وشمولا وعدالة للضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، وفي الوقت نفسه، فإن سوق العمل على هذا النحو غير المرئي تساعد على التهرب الضريبي؛ إذ لا يوجد إحاطة كافية بالدخول الناشئة عن أعمال غير مسجلة أو غير منظمة. كما نشأت شركات عالمية وأخرى جديدة خارجة على قواعد التنظيم والتسجيل، فعلى سبيل المثال، تعمل شركات مثل "غوغل" و"فيسبوك" في الأسواق الأردنية والعالمية من غير ضرائب أو مشاركة اقتصادية أو اجتماعية. وبطبيعة الحال، يجب التفكير في قواعد اجتماعية واقتصادية جديدة لتنظيم الأعمال والعلاقات والضرائب (العبارة المختصرة والمفيدة هي عقد اجتماعي جديد، لكنها عبارة تعرضت لانتهاك وسوء نية ولم يعد ممكنا استخدامها مثلها مثل مفاهيم أخرى كثيرة جرت شيطنتها أو تقديسها وهي ليست هذه ولا تلك، مثل العولمة والعلمانية والليبرالية والمدنية والإسلامية والأمة،..) يجب على جميع الشركات والأعمال الإفصاح بصدق عن دخولها وأن تكون لها مشاركات اقتصادية واجتماعية واضحة تنعكس على حياة المواطنين. 

وفي جميع الأحوال، ومهما كانت التحولات عاصفة وغامضة ومعقدة، فإن الاستثمار في رأس المال الإنساني والمعرفي والاجتماعي سوف يبقى سياسة مهمة وملائمة، ولن تندم الحكومات والشركات على هذا الاستثمار. والحال أنه ليس لدينا استجابة مؤكدة لهذه العاصفة الاقتصادية الاجتماعية سوى "الذات الفاعلة" التي تملك المناعة الاجتماعية والذاتية والمهارات والمعارف الأساسية ما يمكنها من استيعاب التحولات والأزمات، ولنتخيل على سبيل التمرين والقياس التحولات الكبرى التي صاحبت التحديث في بلادنا على امتداد القرن الماضي، المدن والأعمال والثقافات والعلاقات والطبقات والمهن والأعمال والأسواق والسلع الجديدة والمنقرضة، وكما عصفت تلك الموجة بكل ما كان لدينا متراكما وراسخا على مدى قرون متطاولة، فإن كل ما تشكل لدينا في السنوات المائة الماضية يتحول إلى عصف مأكول!

التعليق