بسبب الريح

تم نشره في الجمعة 20 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • نسوة غزيات يتسوقن وسط قطاع غزة.-( اف ب)

يديعوت أحرونوت

ناحوم بارنيع  20/7/2018

في إحدى الحكومتين التي تولى فيهما ايهود باراك منصب وزير الأمن، سألته ماذا كان سيحصل لو أن الجيش احتل قطاع غزة وسلمه للسلطة الفلسطينية. مثلما يعرف كل طرف في غلاف غزة، فإن الاحتلال هو القسم السهل؛ فاليوم التالي يخيف الجميع. على أي حال، فلنترك أبو مازن يتصدى لليوم التالي.

اما باراك فقد رد علي بجواب احجية: "هذا لا يعمل على هذا النحو"، قال ولم يضف شيئا. بعد وقت ما علمت أنه عرض السؤال نفسه، إلى هذا الحد أو ذاك، على أبو مازن. فرفض أبو مازن الفكرة رفضا باتا. وقال: "نحن لن نعود إلى قطاع غزة على حراب إسرائيل". باراك وزملاؤه، رؤساء الوزراء ووزراء الأمن، عادوا واقترحوا على المصريين أن يأخذوا غزة اليهم، ناشدوا مبارك، ناشدوا عمر سليمان، رئيس المخابرات المصرية. وكان الجواب لا، انسوا هذا. في الضفة تدور رحى حرب على كل قطعة عقار. في غزة العقار يعرض بالمجان، واحد لا يريد أن يأخذه. 

الخلل التاريخي وقع في 1978، في كامب ديفيد. مناحيم بيغين تفاوض على اعادة المناطق التي احتلت من المصريين في حرب الايام الستة. اعاد كل شيء، باستثناء مقطع شاطئ في طابا، اعيد لاحقا، وباستثناء القطاع. والآراء منقسمة حتى اليوم لماذا استبعدت غزة – هل لان السادات كان أبعد نظرا من بيغين أم ان بيغين لم يرغب في أن يدخل التاريخ، وفي خطابات معارضيه كمن تخلى عن شبر واحد من اراضي بلاد إسرائيل الانتدابية. مهما يكن من أمر، فقد علقنا. 

الآن، تعود إسرائيل وترنو بعينيها لمصر. رغم العداء الاساس بين حكومة السيسي وحماس، مصر هي العنوان. الموقع، الموقع، الموقع، يقول احد المشتركين في العملية في الجانب الإسرائيلي. قطر بعيدة – المصريون قريبون. تجري الاتصالات ضمن آخرين من خلال رئيس المخابرات نداف اغيرمان الذي يتحدث مع المخابرات المصرية، التي تتحدث مع حماس وهكذا دواليك. مساء السبت، بعد يوم من المناوشات المتبادلة، دخل المصريون إلى العمل. معبر رفح اغلق، كوسيلة ضغط اضافية، بعد أن اغلقت إسرائيل معبر كرم سالم. لم يتحقق اتفاق، ولكن اعطي وعد غامض للتخفيف التدريجي من اطلاق البالونات الحارقة. في الجيش يفترضون انه ستكون بضع جولات اخرى من الصواريخ وقذائف الهاون – واحدة أو اثنتين على الاقل – إلى أن تتحقق تسوية. 

لقد كان التصعيد في نهاية الأسبوع مخططا. في الجيش تم اعداد بنك اهداف للقصف، على أمل ان يرتكب الغزيون الخطأ المطلوب. نحن ولا مرة نبدأ: هذا معروف. وكانت الفرضية أن تطلق منظمة عاقة صاروخا. هذا لم يحصل، ولكن ضابطا في الجيش اصيب بشظية قنبلة يدوية بجراح لم تكن خطيرة، فأقلعت الطائرات. قصفت اهداف من الجنوب إلى الشمال – في رفح، في نصيرات، تل الهوى وبيت لاهيا. قصفت استحكامات، مخازن ومكاتب. في الجيش الإسرائيلي يدعون بان ضرب الممتلكات أليم لحماس اكثر من اصابة الناس، ولكن اصابة الناس تستوجب الرد باطلاق الصواريخ، اما الاضرار بالممتلكات فلا. هذه قواعد اللعب.

وبالتالي، يبذل الجيش جهدا جديا للامتناع عن الاصابة بالارواح. قبل كل هجوم، يطلق تحذير للسكان، على طريقة "انقر السطح". في سلاح الجو وفي قيادة المنطقة الجنوبية يتأكدون من ان الاهداف خالية من الناس. اذا كانت هناك علائم على حركة في المكان، يتأجل الهجوم. فتيان اثنان قتلا في قصف في السبت: كان هذا خطأ.

ان الحساسية تجاه الخسائر في الطرف الاخر تنبع من اعتبارات عملية. لندع جانبا الخطابات العليلة على الجيش الإسرائيلي، الجيش الاكثر اخلاقية في العالم. فلا توجد مباريات مونديال للاخلاق. واحتلال ابن 51 سنة ليس اكاديمية لتأهيل لاعبين متميزين في هذا المجال. حتى يوم امس قتل في المواجهات 152 غزيا. 

مستوى التهديدات، مثلما تعرفه قيادة الجيش، لم يتغير. التهديد الاخطر هو تسلل مخربين مسلحين من غزة عبر نفق، عبر ثغرة في الجدار، من خلال حوامة او طائرة شراعية، والهجوم على بلدة في الغلاف. اما التهديد الثاني فهو اصابة صاروخ لمدنيين، في داخل بلدة. والتهديد الثالث هو الحرائق. منذ بداية المواجهة احاول ان ادخل إلى التوازن الضرر الذي تلحقه الطائرات الورقية والبالونات. عبثا: فأمام الصور الملونة بالاحمر والاسود، امام جملة العناوين الرئيس عن "ارهاب الطائرات الورقية"، امام الخطابات الحماسية للسياسيين، لا توجد ذرة احتمال لفحص واعد للمشكلة.

25 الف دونم احترق حتى أول امس في غلاف غزة. ثلث المنطقة المحروقة، زراعية. بعد انتهاء الحصاد، تقلص الضرر للمزارعين كثيرا. ضباط الاطفاء في الميدان يدعون بانه لو لم يكن الحديث يدور عن هستيريا وطنية لتركوا قسما من الحرائق وحرصوا فقط على الا تنتشر: فثمن المياه، كما يقولون، اعلى من ثمن القش الذي احترق. 

ليس الضرر الحقيقي هو الذي يجعل الطائرات الورقية تهديدا استراتيجيا، بل الاساءة للعزة. فنحن نرفض التسليم بحقيقة ان في الجولة الحالية في غزة هم الذين يلعبون دور داوود، ونحن في دور جوليات. يجننا انعدام الوسيلة لدينا امام فتيان يطيرون الورق في وجه الريح. 

كما هو متوقع، فإن الضجيج في إسرائيل حول اضرار الطائرات الورقية يعتبر في غزة انتصارا في المعركة واخرج إلى الميدان المزيد فالمزيد من مطلقي الطائرات الورقية. في قيادة الجيش الإسرائيلي ردوا بغضب. فقد اثارت غضبهم على نحو خاص مساهمة صوت الجيش الاذاعة العسكرية، في اشعال إوار الخطاب الجماهيري. وبرأيهم فإن صوت الجيش يساعد حماس. 

ان الخطوات التي اتخذت لردع مطلقي البالونات أجبرتهم على التراجع إلى الوراء. وهم يطلقونها من نوافذ المنازل. ومن يريد ان يطلق النار على مطلقيها، سيتعين عليه أن يقنصهم في داخل نوافذ المنازل. والقتلى سيجلبون الصواريخ؛ حماس ستتوصل إلى الاستنتاج أن لا مفر امامها غير اخذ المزيد من المخاطر، توسيع مدى الصواريخ؛ وستكون اصابات في الطرف الإسرائيلي، وبينيت سيطلب عملية ونتنياهو سيتراجع فيدخل غزة. بعد 50 يوما، 100 مقاتل ومدني قتيل في طرفنا و1.000 قتيل في طرفهم واضاعة المليارات، سنعود إلى النقطة ذاتها، بما في ذلك البالونات.

البشرى الطيبة هي ان شعبا كاملا تجند لحل المشكلة: هذا هو الجانب الاخر، الايجابي، للانجراف في مسألة الحرائق. كل مطور مع تطبيقه. كل تكنولوجي اعلى مع حلمه في البيع إلى الخارج. في غضون اسابيع أو اشهر لا بد سيتم تطوير تكنولوجيا مناسبة. وهذه ستتصدى ليس فقط للطائرات الورقية والبالونات بل لتهديد اكثر جدية بكثير – دخول الحوامات إلى الساحة. 

في 28 آب تبدأ السنة الدراسية في قطاع غزة. مشكوك أن تبدأ: وكالة الغوث، جهاز التعليم المركزي في القطاع، يهدد بالانهيار. دونالد ترامب صديقنا أوقف المساعدة. ابو مازن صديقنا اضاف من جانبه: كل سنة كانت السلطة تحول إلى القطاع نحو 1.4 مليار دولار. هذه السنة قطعت المبلغ إلى النصف. ماذا سيفعل الاطفال الذين لن يذهبوا إلى المدرسة؟ سيطلقون البالونات.

التقدير في إسرائيل هو أن اليوم أو غدا سينفد غاز الطبيخ في غزة. طالما كانت المعابر لإسرائيل ولمصر مغلقة، فلا سبيل لاستئناف التوريد. الانفاق لمصر هي الاخرى مغلقة: معظمها اغلقتها حماس. بضاعة لا تدخل – بضاعة لا تخرج. دور الخياطة في غزة تنتج ملابس لشركة الموضة "زارا". الملابس عالقة. 

يمكن للعالم أن ينسى غزة؛ وحتى أبو مازن يمكنه. اما نحن فلا: هذا ترف لا يمكننا أن نسمح به لانفسنا. إذا كان لديكم شك، فأسالوا سكان الغلاف. 

 

التعليق