محافظ العاصمة: إبعاد غير الأردني يستند للقانون.. ونراعي أوضاع ابن أو زوج الأردنية بالمخالفات البسيطة

مزايا أبناء الأردنيات لا تحمي أبناءهن من خطر الإبعاد خارج المملكة

تم نشره في الأربعاء 25 تموز / يوليو 2018. 12:00 صباحاً
  • سيدات اردنيات خلال فترة التقديم لطلبات الحصول على المزايا الخدمية لابنائهن العام 2015. (تصوير: اسامه الرفاعي)
  • انفوجراف يتضمن معلومات وأرقاما حول قضية ابناء الاردنيات المتزوجات من اجانب - (الغد)

لينا شنك   

عمان - في أحد سجون المملكة، التقى رائد وسامي (اسمان مستعاران) ببعضهما البعض للمرة الأولى، وشعرا بأنهما يواجهان مصيراً واحداً. كلاهما وُلد لأبٍ مصريٍ وأمٍ أردنيةٍ لا يعترف القانون الأردني بحقها بتمرير جنسيتها لهما، أو حتى منحهما حق الإقامة الدائمة في بلدها. كلاهما كانا موقوفين بسبب قرار "الإبعاد" الإداري الذي صدر بحقهما، وكانا ينتظران تنفيذه بعد انتهاء المحكمة من الفصل في قضايا يحاكمان بموجبها!

بعد توجيه استدعاء تلو الآخر إلى وزارة الداخلية، صدر أخيراً قرار بالإفراج عن رائد، ووُعد بإعادة النظر في قرار الإبعاد عند صدور الحكم النهائي بقضاياه في المحكمة. بمعنى آخر، سُمح له أن يعود لعائلته بدلاً من أن يبقى وراء القضبان ينتظر محاكمته، ولكن لم يتم إلغاء قرار الإبعاد نهائياً. أما سامي، فلا يزال موقوفاً منذ حوالي ثلاث سنوات، بحسب والدته سوسن (اسم مستعار)، ثلاث سنوات هي عمر ابنته الأولى التي لم يحضنها حتى اللحظة، وقد فشلوا في إطلاق سراحه على الرغم من تدهور وضعه الصحي.

تخبرنا سوسن أن ابنها (24 عاماً) اتصل بها منذ فترة قصيرة، فقال لها "أنا بدي أشنق حالي، أنا لو محبوس على اشي، بقضي فيه.. لسا أهوَن"، وذلك في إشارة إلى أيام التوقيف في انتظار صدور الحكم التي لا تُحتسب له، ولا تُخصم من محكوميته لو تمت إدانته بالفعل.

سامي شاب وُلد وعاش طيلة حياته في الأردن، بل إن والده المصري لم يزُر مصر منذ حوالي 35 عاماً. تقول سوسن أنه عندما كان حدثاً لا يتجاوز عمره 12 عاماً "تعرّف على مجموعة من الشباب الأكبر سناً وهم جيران شقيقتي، وبدأ يتقرّب منهم.. كانوا محتالين، يقودون سياراتهم ويعتدون على الوافدين ويسرقونهم"، فتوّرط معهم وما نجح أهله بإخراجه من هذه الدوّامة إلا بعد سنين طويلة، عندما تزوّج وفتح محلا للأجهزة الخلوية. بيد أن سجله كان قد امتلأ بالقضايا المنظورة في المحاكم منذ سنوات طويلة، والتي لا يعلمون كم ستستغرق حتى يبت بها القضاء.

تقول سوسن أنه أضرب عن الطعام مرتين، وقام بتخييط فمه مرة أخرى، وقد أصبح يبدو كـ"الخيال" عندما يزورونه. اعتصمت هي بجوار أمهات لموقوفين أمام مبنى محافظة العاصمة، وتواصلت مع كل جهة مهتمة بحقوق الإنسان، ولكنه لا يزال مكانه، خلف القضبان، وحجة المسؤولين أنه "مُبعد" ينتظر تنفيذ القرار فقط. تتساءل سوسن إن كان يُعقل أن يظل ابنها موقوفاً لكل هذه المدة؟ وإلى أين يُبعد بالأساس وأمه أردنية وزوجته أردنية؟ 

هل يُبعد ابن الأردنية؟

بحسب الأرقام التي أعلن عنها العام 2014، هناك حوالي 355 ألف ابن وابنة مولودين لأم أردنية وأب غير أردني يعانون من تمييز القانون الأردني ضد أمهم، بحرمانها من حقها بتوريث جنسيتها أسوة بالرجل الأردني.

بعد مطالبات استمرت لسنواتٍ طويلةٍ بالاعتراف بهذا الحق للمرأة الأردنية، توصلت كتلة "المبادرة النيابية" إلى حلٍ مع الحكومة يقضي بمنح هؤلاء تسهيلات في مجالات الصحة، والتعليم، والعمل، والتملك ورخص القيادة، وأصبحت تُعرف فيما بعد بـ"تسهيلات أبناء الأردنيات" بموجب بطاقات تعريفية تُمنح لهم. بيد أن هذه التسهيلات بقيت "حبراً على ورق" بحسب منسق حملة أمي أردنية وجنسيتها حق لي رامي الوكيل، ولم تشمل حق الإقامة الدائمة والتلقائية في بلد الأم أساساً.

يقول الوكيل أن "ابن الأردنية لا يزال مضطراً للتقديم لإذن إقامة كما كان الحال قبل إطلاق "التسهيلات"، وانتظار الموافقة الأمنية التي تستغرق ثلاثة أسابيع". ويضيف بأن "الميزة الوحيدة لابن الأردنية فيما يخص الإقامة تتعلق بالغرامات، فقد يُعفى منها بالاستناد إلى رقم والدته الوطني، هذا هو الفرق الوحيد بينه وبين الأجنبي الآخر".

هي إقامة سنوية مؤقتة يتم تجديدها بشكل دوري، بحسب الوكيل، الذي يبيّن بأنه لا يوجد أي "نص قانوني يمنع المحافظ أو غيره من إبعاد ابن الأردنية، وهذه مصيبة.. بغض النظر عمّا ارتكب، فليُحاسب هنا.. أنا لا أقول لا تحاسبوه، حاسبوه ولكن حاسبوه في الأردن!"

في الوقت الذي عُدّل فيه قانون الإقامة وشؤون الأجانب في عام 2017، ليُضاف "ابن الأردنية" إلى قائمة من يحق لهم طلب إذن إقامة في المملكة، لم يُضف نص يستثني هؤلاء من قرار "الإبعاد" الذي يحق للوزير اتخاذه بحق الأجنبي. وتقر النائب وفاء بني مصطفى في حديثها لنا بأن التعديل لم يصل إلى حد انتزاع حق الإقامة الدائمة لأبناء الأردنيات، ولكنها تعتبره إنجازاً مبدئياً يكسر "التابو" ويذكر أبناء الأردنيات في القانون صراحةً بعد معركة طويلة رُد فيها القانون مرتين من مجلس الأعيان، ولم يُقّر إلا بعد عقد جلسة مشتركة للمجلسين. 

لا تزال المادة السابعة والثلاثون من هذا القانون تنص على ما يلي: للوزير بتنسيب من المدير (مدير الأمن العام) حق إبعاد الأجانب وله أن يأمر بتوقيف من تقرر إبعاده مؤقتاً حتى تتم إجراءات الإبعاد ولا يسمح للأجنبي الذي سبق إبعاده بالعودة إلى أراضي المملكة إلا بإذن خاص من الوزير". ولمّا كان الأجنبي هو "كل من لا يحمل الجنسية الأردنية"، فهذا يشمل ابن الأردنية، الذي يحمل بأحسن الأحوال بطاقة مزايا خدمية، وليس الجنسية، حتى وإن ولد وعاش طيلة حياته في بلد أمه.

تتفق النائب ديمة طهبوب مع الوكيل، وتعتبر أن كل هذه المكتسبات تظل ناقصة ما "لم تصل إلى الجنسية وما لم يتم مساواة المرأة الأردنية بالرجل الأردني الذي يمنح أبناءه وزوجته الأجنبية الجنسية الأردنية".

أما فيما يخص الإقامة الدائمة، تقول طهبوب بأن هناك "تخوفاً لدى السلطات من منحها، إذ يعتقدون أنها تمهد للجواز الأردني والتجنيس". بيد أنه انتهاك لأبناء هذه الفئة من الناس المعرضين لخطر الإبعاد في أي وقتٍ كان، وتضيف "عملنا على حل مشاكل طارئة بخصوص حالات تم اتخاذ قرار إبعاد فيها بحق أبناء أردنيات، ولكن لم يتم العمل بشكل مؤسسي".

كان هناك حالات فردية، تم التعاطي معها بشكل فردي بالتعاون مع وزير الداخلية الحالي سمير مبيضين، هذا "جيد.. جيد أن يكون لدينا وزير منفتح، ولكننا لا نستطيع أن نظل نعتمد على مزاجية الوزير. يجب أن يكون هناك سياسة مكتوبة لا تتغيّر تمنع إبعاد أبناء الأردنية"، وفقاً لتعبير طهبوب.

وبحسب ما جاء في تقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش"، فإن عدد الذين حصلوا على بطاقات تعريفية لأبناء الأردنيات حوالي 72 ألف شخص، أي "أقل من 20 بالمائة من عدد أبناء الأردنيات غير المواطنين." ويضيف التقرير أنه "حتى بالنسبة لمن حصلوا على البطاقات التعريفية، أفاد العديد بعدم حدوث تحسن ملموس على ظروفهم. فإلى حد بعيد، تستمر الهيئات الحكومية الأردنية في إخضاعهم لنفس القوانين والأنظمة الحاكمة لتقديم الخدمات إلى غير المواطنين."

ويخلص التقرير إلى أن حرمان أبناء الأردنية من "الإقامة الدائمة والتلقائية في بلد الأم" يؤدي إلى مواجهتهم العديد من العقبات في حياتهم اليومية.

القانون لا يستثني ابن الأردنية

من جهته، أوضح محافظ العاصمة سعد شهاب أن قرار الإبعاد يستند إلى النص القانوني الوارد في قانون الإقامة وشؤون الأجانب، والذي لا يُستثنى ابن أو زوج الأردنية من الخضوع لأحكامه. وتقع صلاحية اتخاذ القرار بيد وزير الداخلية بناءً على تنسيب مدير الأمن العام، فيفوّض الوزير هذه الصلاحية للمحافظ، ويفوّض مدير الأمن العام صلاحية التنسيب لمدراء الشرطة.

يخبرنا شهاب بأن القانون ينطبق على كل شخص "غير أردني"، ولكن "ننظر نحن إلى أسباب الإبعاد، وإذا كان السبب بسيطاً مثل مخالفات تتعلق بتصريح العمل، لا يتم إبعاده إذا كان ابن أو زوج أردنية، ولكن يُعطى مهلة لتصويب أوضاعه".

أما إذا كانت المخالفة أكثر خطورةً، مثل "السرقة، الاعتداء على الغير، مخالفة الآداب العامة وغيرها، فلا يُنظر إلى وضعه كزوج أو ابن أردنية ويتم إبعاده" حتى وإن وُلد وعاش طيلة حياته في الأردن، بحسب ما قاله شهاب، الذي أضاف أن دولاً كثيرةً في المنطقة لا تتعامل مع مخالفي قانون الإقامة وشؤون الأجانب بنفس الطريقة التي يتبعها الأردن.

حتى يأتي الزمن الذي تُعامل فيه سوسن كمواطنة أردنية كاملة، شأنها شأن أي رجل أردني قرّر الزواج من أجنبية، فإن الاحتمالات المطروحة لمصير ابنها محدودة: إما أن يبقى موقوفاً لسنواتٍ طويلة حتى تبت المحكمة في قضاياه ومن ثم يتم إبعاده إلى بلدٍ لا يعرفها أو يتعاطف أحدهم مع استدعاءات أمه الأردنية، ولكن بعد أن سرق السجن من عمره ثلاث سنوات حتى اللحظة غير محسوبة من أي حكمٍ مستقبليٍ بحقه. وقد يسرق أكثر من ذلك! 

 

* بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR.

 

التعليق