الاستقرار الأسري في القرآن الكريم

تم نشره في الخميس 26 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

د. أحمد ياسين القرالة

الاستقرار الأسري مقصد من مقاصد القرآن، وغاية من غاياته، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ (الروم:21)، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف:189)، فالسكن هو علة خلق الزوج للزوج، وهو المقصد الأسنى من وجود الزوجية في الحياة الإنسانية.
والاستقرار الأسري هو الذي يمنح أفراد الأسرة الأمان ويشعرهم بالطمأنينة ويحمي الأبناء من الانحراف والتشرد والجريمة؛ حيث أثبتت كثير من الدراسات أن التفكك الأسري من أهم الأسباب التي تؤدي إلى جنوح الأحداث وانحرافهم، وهو عامل رئيس في انتشار الجريمة، التي تعد عبئاً اقتصادياً على المجتمع؛ إذ تبلغ كلفة الجريمة على المجتمع الأردني حوالي ثلاثمائة وخمسين مليون دينار، وهو بلا أدنى شك مبلغ ضخم كان من الممكن توجيهه لإحداث التنمية وتطوير المجتمع، كما أن الجريمة تعد تحدياً أمنياً يقع على كاهل الدولة يستنزف كثيراً من جهدها وطاقتها، وتشكل معضلة نفسية واجتماعية كبرى للمجتمع كله، فالجريمة ترهق كاهل الدولة وتعيق حركتها وتعطل مسيرتها.
لذلك وحتى لا نصل إلى ذلك المجتمع؛ مجتمع الكراهية والجريمة، لا بد من المحافظة على الأسرة وتعزيز الروابط بين أفرادها، ولا يتحقق ذلك إلا بتحقيق الانسجام والوئام بين الزوجين، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى العديد من الوسائل التي تحقق للأسرة استقرارها وتحفظ لها تماسكها، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فالمعاشرة بالمعروف والمعاملة الحسنة هي التي تديم الألفة بين الزوجين وتقوي أواصر المحبة بينهم، وقد جاء طلب المعاشرة بالمعروف بصيغة الأمر، ومن المعلوم أصولياً أن الأمر يفيد الوجوب.
فالآية الكريمة أمرت الزوج بأن يحسن معاشرة زوجته، فقالت ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ولم تقل وتعاشروا بالمعروف، ولعل الحكمة في ذلك أن الرجل باعتباره المكلف بإدارة الأسرة والقوامة عليها قد يتعسف في فهم القوامة وتفسيرها مما يؤدي به إلى الغلظة والخشونة في المعاملة، ولأن المرأة رقيقة بطبعها تؤذيها خشونة التعامل وقسوته؛ لأجل ذلك جاء التوجيه النبوي للرجال بالرفق في معاملتها؛ حيث وصفهن بالقوارير التي تكسرها الشدة وتعطبها القسوة، فلا يصلح معها سوى الرفق واللطف واللين.
إن تحديد الحقوق والواجبات في داخل الأسرة ومعرفة كل من الزوجين ما له وما عليه يحد من ظهور المشكلات ويمنع من وقوع الخلافات والنزاعات، وهو من الضمانات المهمة للحد من التعسف في استعمال الحقوق والتعدي فيها؛ إذ إن التوازن بين الحقوق والواجبات يحفظ للأسرة تماسكها وترابطها، فقال تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فكل حق يقابله واجب، فمن يطالب بحق له عليه أن يؤدي الواجب الذي عليه.
ولما كانت الشورى هي القاعدة العامة في إدارة الأمور واتخاذ القرارات، لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، فإن تطبيق هذا المبدأ في إدارة الأسرة يسهل من عملية اتخاذ القرار وصوابيته، ويجعل كل واحد من أفراد الأسرة يشعر بقيمته وأهميته، مما يحقق الترابط والتفاهم بين أفرادها، وينأى بها عن القرارات الارتجالية التي تلحق الضرر بها وبأفرادها، فقال تعالى ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، فالآية تأمر الزوجين بالتشاور في مسألة بسيطة من مسائل الأسرة وهي فطام الصغير عن الرضاع؛ إذ لا يجوز لأحد الزوجين أن يستبد برأيه في هذا الأمر وأن ينفرد بقراره.
وبما أن الاختلاف وظهور المشكلات أمر طبيعي في الحياة الإنسانية، فقد دعا القرآن إلى علاج بوادر الخلاف والنزاع بين الزوجين وطالب بالسرعة الممكنة في حله وإنهائه، فقال تعالى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، وقد اختلف المفسرون في الضمير في قوله تعالى "إِنْ يُرِيدَا"، هل هو راجع إلى الحكمين أم إلى الزوجين، فإذا كان راجعاً إلى الزوجين يكون معناه، إن يرد الزوجان من بعث الحكمين إصلاح أمرهما يوفق الله بينهما، فحُسن النية والرغبة الصادقة بين الزوجين قادران على إصلاح الخلل وتصحيح الخطأ مهما كان كبيراً وعظيماً.
ومن المؤكد أن حل النزاعات الداخلية في الأسرة ومنع تفاقمها وإعادة الوئام والتفاهم بين الزوجين أفضل من الانفصال الذي يؤدي إلى انهيار الأسرة وتفككها، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الأفراد والمجتمعات.
وفي المقالات المقبلة، سنتاول بعون الله تعالى أثر المفاهيم الخاطئة لبعض النصوص الشرعية على استقرار الحياة الزوجية وتماسك الأسرة.

التعليق