من أين تكتسب العملات قوتها ومتى تنهار؟

تم نشره في الأربعاء 15 آب / أغسطس 2018. 12:00 صباحاً

عواصم - واجهت العملة التركية تراجعات كبيرة قدرت بنحو 40 % منذ بداية العام الحالي، قبل أن تعوض بعض خسارتها عند أقل من سبعة ليرات للدولار، وتحاول السلطات المالية والنقدية بأنقرة مواجهة هذا الانحدار بإجراءات عديدة تهدف إلى دعم الليرة وضمان إدارة أفضل للسيولة في البلاد.

لكن ثمة قناعة لدى المسؤولين بأن العوامل السياسية و"الحرب الاقتصادية" ومن آلياتها المضاربات هو ما يدفع العملة التركية نحو حافة الانهيار، وليس المعطيات الاقتصادية التي تتمتع بالقوة المطلوبة، حسب هؤلاء.

وإلى جانب العملة التركية، يشهد الريال الإيراني انخفاضا كبيرا بسبب العقوبات الأميركية "وخسر الريال قرابة نصف قيمته مقابل الدولار منذ نيسان (أبريل)"، كما تعرف عملات أجنبية وعربية تدهورا كبيرا على غرار الجنيه السوداني والجنيه المصري والريال اليمني وعملات أخرى.

قوة العملة

العملة هي ورقة مالية محددة القيمة مضمونة بحكم القانون من قبل مصدرها وعادة تصدرها البنوك المركزية للدول، كما يقول الرئيس التنفيذي لشركة الدار لأعمال الصرافة، جمعة المعضادي.

ويسرد المعضادي عددا من العوامل التي تحدد قيمة أي عملة في العالم، في مقدمتها العوامل الاقتصادية بجانب العوامل السياسية والعسكرية أيضا.

فبخصوص العوامل الاقتصادية، يقول المعضادي إن قيمة العملة تتحدد بما لدى هذا البلد من ثروات واحتياطات طبيعية (غاز، نفط، معادن...) وبشكل أشمل بما لدى الدولة من أصول أيا كان مصدرها. كما تستند قيمة وقوة العملة أيضا إلى حجم الاحتياطات النقدية، والقدرة الإنتاجية والتصديرية للبلاد.

وحسب المعضادي، فإن ثمة عوامل سياسية تدعم مكانة العملة، مثل القوة العسكرية والانتشار الجغرافي للدولة وربط تجارة بعض السلع المهمة في العالم (النفط نموذجا) بعملة معينة، كما هو الحال في الدولار الأميركي.

سعر العملة

يقول المدير العام لشركة نماء للاستشارات المالية، طه عبد الغني "إن الذي يحدد سعر العملة في الأسواق هو العرض والطلب على هذه العملة، كأي سلعة في الأسواق".

ويضيف أن هناك عوامل كثيرة تتحكم في هذا العرض والطلب، بعضها يرتبط بأداء الاقتصاد الحقيقي للدولة وقطاعاتها الإنتاجية والخدمية، والبعض الآخر يتعلق بممارسات خطرة كالمضاربات على العملات وأوراق الدين، بالإضافة إلى عوامل سياسية.

المعاملات مع الخارج

يؤكد طه عبد الغني، أن من بين العوامل التقليدية القابلة للقياس التي تتحكم في سعر العملة، نجد وضع الميزان التجاري للبلد.

فكلما كانت الصادرات أقوى من الواردات شهدت العملة المحلية طلبا أكبر، والعكس صحيح كلما اختل الميزان التجاري لصالح الشركاء التجاريين تراجع الطلب على العملة ودفع سعرها إلى الهبوط أمام العملات الأجنبية الأخرى.

ويؤكد الخبير المصرفي عمرو السيد، هو الآخر، أنه عندما تصدر دولة ما أكثر مما تستورد فإنها تحقق عائدا ماليا، وهذا يؤدي إلى زيادة الطلب على عملتها ويزيد من القيمة السوقية لهذه العملة.

لكن عندما تستورد أكثر مما تصدر هذا يؤدي إلى انخفاض الميزان التجاري وبالمقابل ميزان المدفوعات (العمليات المالية بين الدول) من ثم انخفاض القيمة السوقية للعملة وربما إلى انهيارها في حال تفاقم اختلال هذا الميزان.

أما جمعة المعضادي فيقول إنه كلما تفاقم العجز التجاري ولم تستطع الدولة مواجهته أثر ذلك على قيمة العملة بهذه الدولة.

ويبرر ذلك بكون السلطات تضطر إلى زيادة اللجوء إلى القروض وبالتالي زيادة الفوائد ومن ثم التضخم.

التضخم وأسعار الفائدة

ويعتقد طه عبد الغني أن أي اختلال في الميزان التجاري للبلد يدفع الأسعار نحو الارتفاع محليا بسبب زيادة تكلفة الاستيراد، ما يؤثر على قيمة العملة.

ويشير -بالمقابل- إلى أنه كلما زاد إنفاق الدولة على البنية التحتية تسارعت معدلات النمو الاقتصادي وزاد معه الطلب الداخلي والأسعار تباعا، مما يجعل السلطات النقدية تلجأ إلى زيادة أسعار الفائدة لامتصاص السيولة من الأسواق ومن ثم دفع التضخم إلى الانخفاض نحو معدلات معقولة.

وبدوره، يؤكد عمرو السيد أن عامل التضخم له أثر حاد، فكلما ارتفع تحولت شهية المتعاملين نحو شراء العملات الأجنبية على حساب نظيرتها المحلية وذلك للحفاظ على قيمة ما يملكون.

ويقول إن هذا التحول صوب العملات الأجنبية "كملاذات آمنة" يدفع العملات المحلية إلى الانخفاض وربما إلى الانهيار.

وفي السياق أيضا، يشرح المعضادي أن من العوامل التي تؤدي إلى انهيار العملة اختلال القوة الشرائية، مما يعني إقبال الأفراد على العملات الأجنبية في مقابل تراجع الطلب على العملة المحلية.

المضاربات

ويرى المعضادي أن تراجع العملة التركية، على سبيل المثال، يرتبط بعوامل غير اقتصادية، من قبيل توجه بعض الدول والبنوك للمضاربة على الليرة.

ويؤكد أن العملة القطرية تعرضت في بداية الحصار المفروض عليها إلى حالة مضاربة، لكن قطر نجحت في مواجهة ذلك بفضل الاحتياطات النقدية الكبيرة التي يتمتع بها صندوقها السيادي.

المحلل المالي طه عبد الغني، أكد هو الآخر أن المضاربات على العملات كان لها دور كبير في أزمة النمور الآسيوية في التسعينيات (اقتصادات تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ، كوريا الجنوبية التي قفزت بشكل كبير). ويعتقد أن هذه العمليات الخطرة ربما تكررت مع قطر وتركيا في الوقت الحالي؛ حيث دخلت بنوك على الخط لتمويل المضاربة بالهامش ليس على العملات المحلية فقط بل على سندات الدين أيضا.-(وكالات)

التعليق