لا لتطبيع ترامب أكاديمياً

تم نشره في الثلاثاء 14 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • طلبة جامعة بتلر الأميركية يحتجون على رئاسة دونالد ترامب - (أرشيفية)

داني رودريك*

كمبريدج- واجهت جامعة فيرجينيا مؤخراً عاصفة من الاحتجاجات بعد أن قام مركز ميلر للشؤون العامة التابع لها بتعيين مارك شورت، مدير الشؤون التشريعية السابق في حكومة الرئيس دونالد ترمب، في منصب لعام واحد ككبير زملاء. وعقب ذلك، قطع اثنان من أعضاء هيئة التدريس العلاقات مع المركز، وجمع التماس لإلغاء القرار ما يقرب من 4.000 توقيع. واندلع احتجاج مماثل في مؤسستي الأصلية في العام الماضي، عندما جرى تعيين كوري ليفاندوفسكي، الذي كان مديراً لحملة ترامب الانتخابية ذات يوم، زميلاً في معهد هارفارد للسياسة.

تضع إدارة ترامب الجامعات أمام معضلة خطيرة. فمن ناحية، لا بد أن تكون الجامعات مفتوحة لوجهات نظر متنوعة، بما في ذلك تلك التي تتعارض مع الرأي السائد أو التي قد تبدو وكأنها تمثل تهديداً لمجموعات بعينها. ويجب أن يتمتع الطلاب وأعضاء هيئة التدريس الذين يشاركون ترامب وجهة نظره بحرية الكلام من دون رقابة. ويتعين على الجامعات أن تبقى منتديات للاستفسار الحر والمناقشة والمناظرة. وفضلاً عن ذلك، يتعين على المدارس ومعاهد الشؤون العامة أن تقدم للطلاب وأعضاء هيئة التدريس الفرص للتواصل مع صانعي السياسات الحاليين.

من ناحية أخرى، هناك خطر تطبيع ما لا يمكن وصفه إلا بأنه رئاسة بغيضة، وإضفاء الشرعية عليها. والواقع أن ترامب ينتهك على أساس يومي المعايير التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية. وهو يقوض حرية الإعلام واستقلال القضاء، ويدعم العنصرية والطائفية، ويشجع التحيز. وهو يشعر بالسرور والبهجة عندما ينطق بالتصريح الكاذب تلو الآخر.

وأولئك الذين يخدمون معه ملوثون بالتجربة بالضرورة. إذ يعمل شركاء ترامب المقربون والمعينون السياسيون على تمكينه -بصرف النظر عن مناقبهم الشخصية وإلى أي مدى يحاولون فصل أنفسهم عن تصريحات ترامب. ويبدو أن صفات مثل "الذكاء"، و"الفعالية"، و"النزاهة"، و"الزمالة"- وهي الكلمات التي استخدمها ويليام جيه. أنثولز، مدير مركز ميلر، لتبرير تعيين شورت -لا تحكم تصرفاتهم إلا قليلا عندما يُستَخدَمون لتعزيز أجندة سياسية غير ليبرالية.

تمتد الوصمة إلى ما هو أبعد من النشطاء السياسيين وتغطي صناع السياسات الاقتصادية أيضا. إذ يتقاسم أعضاء مجلس وزراء ترامب والمعينون رفيعو المستوى المسؤولية الجمعية عن دعم هذه الرئاسة المشينة. وهم يستحقون الخزي والهوان ليس فقط لأنهم يحملون وجهات نظر منحرفة، ولنقل بشأن العجز التجاري أو العلاقات التجارية مع الصين، بل وأيضاً، وهو الأمر الأكثر أهمية، لأن استمرارهم في الخدمة يجعلهم متواطئين بشكل كامل مع سلوك ترامب.

ولهذا، يتعين على المؤسسات الأكاديمية أن تسلك مساراً ضيقاً. فلا يمكنها أن تدير ظهرها لترامب وحاشيته، ولا أن تتجاهل وجهات نظرهم. لأنها خلافاً لذلك تخنق المناقشة والحوار. وهذا يتعارض مع كل القيم التي تمثلها الجامعات. وكمسألة براغماتية، فإن هذا من شأنه أيضاً أن يعطي نتائج عكسية، من خلال إعطاء معسكر ترامب فرصة أخرى لتشويه سمعة "النخبة الليبرالية".

لكن قواعد الاشتباك الواضحة ضرورية. والمبدأ الأكثر أهمية الذي يجب التمسك به هو التمييز بين سماع شخص ما وتكريمه. وينبغي أن تكون دائرة ترامب المقربة وكبار المعينين من قِبَله موضع ترحيب في المناقشة والحوار. ولابد من التعامل معهم بطريقة متحضرة إذا ظهروا. ولكن لا ينبغي منحهم تلك الدرجة من الاحترام أو الاهتمام التي تستحقها أقدميتهم ومناصبهم الحكومية عادة. فنحن في نهاية المطاف لسنا أمام إدارة طبيعية تستحق التكريم.

وهذا يعني عدم منحهم ألقاب شرفية (مثل زميل، أو كبير زملاء)، أو السماح لهم بإلقاء محاضرات منتظمة، أو خطب رئيسية تعنون لمؤتمرات أو أحداث. وعلى الرغم من أن أعضاء هيئة التدريس كأفراد والمجموعات الطلابية ينبغي لها أن تتمتع بحرية دعوة أشخاص عينهم ترامب للتحدث داخل الحرم الجامعي، فإن مثل هذه الدعوات كقاعدة لا ينبغي أن تصدر عن مسؤولين كبار في الجامعة. كما ينبغي للمحاضرات والاستعراضات أن توفر دائماً الفرصة للمساءلة والمناقشة والاستجواب بقوة.

في غياب التفاعل في الاتجاهين، لا وجود للتعلم أو الفهم؛ ولا يتبقى غير الوعظ. ولا ينبغي أبداً الترحيب بالمسؤولين الإداريين الذين يريدون ببساطة الإدلاء ببيان والتهرب من الاستجواب البحثي.

ربما يرى الطلاب وأعضاء هيئة التدريس المتعاطفون مع ترامب مثل هذه الممارسات على أنها تمييزية. ولكن لا يوجد تعارض بين تشجيع حرية التعبير وتبادل الآراء، وهو ما تهدف هذه القواعد إلى دعمه، وبين حرص الجامعة على عرض قيمها الخاصة بوضوح.

تتمتع الجامعات، مثلها كمثل المؤسسات الأخرى، بحق تقرير ممارساتها بما يتفق مع قيمها. وربما تتباعد هذه الممارسات عن ما ترغب مجموعات فرعية معينة داخلها في رؤيته، إما لأنها قيم متنافسة أو بسبب وجود اختلافات حول الجوانب العملية المتصلة بكيفية تحقيقها.

على سبيل المثال، ربما يعتقد بعض الطلاب أن المتطلبات الخاصة بدورة دراسية بعينها صارمة أكثر مما ينبغي أو أن الامتحانات مضيعة للوقت. وتسمح الجامعات بالمناقشة الحرة حول مثل هذه الأمور. لكنها تحتفظ بالحق في وضع القواعد بشأن متطلبات التركيز والامتحانات. وفي القيام بذلك، ترسل الجامعات إشارة مهمة لبقية المجتمع حول فلسفة التعليم والقيم التربوية. ولا يختلف عن ذلك السماح بالمناقشة الكاملة لرئاسة ترامب، مع رفض تكريمها في الوقت ذاته.

ينبغي للجامعات أن تتمسك بحرية التحقيق والاستيضاح والاستجواب، وأن تعلي قيم الديمقراطية الليبرالية. ويتطلب تعزيز هذه الحرية التبادل والتفاعل بلا عوائق مع وجهات نظر ترامب، في حين يتطلب إعلاء قيم الديمقراطية الليبرالية معايرة المشاركة بعناية، ولكن مع عدم إظهار أي قدر من التكريم أو الاعتراف بمن يخدمون إدارة تنتهك بشكل صارخ معايير الديمقراطية الليبرالية.

 

*أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في كلية جون ف. كينيدي للحوكمة بجامعة هارفارد. وهو مؤلف كتب "مفارقة العولمة: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي"، و"قواعد الاقتصاد: الصواب والخطأ في العلم الموحش"، وآخرها "حديث صريح عن التجارة: أفكار لاقتصاد عالمي عاقل".

*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق