موفق ملكاوي

"سيد قطب: سيرة التحولات"

تم نشره في الجمعة 17 آب / أغسطس 2018. 11:06 مـساءً

أنهيت مؤخرا قراءة الكتاب المهم الذي كتبه وزير الثقافة المصري حلمي النمنم "سيد قطب: سيرة التحولات"، والذي تتبع فيه المراحل المختلفة في نشاط وتكوين العضو السابق في مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، والرئيس السابق لقسم نشر الدعوة في الجماعة.

يشير النمنم إلى أن مناسبة الكتاب هي الاحتفاء الكبير بكتب سيد قطب بعد تولي الجماعة الإسلامية الحكم في مصر بفوز الرئيس السابق محمد مرسي في 2012، وإعادة طباعة العديد من كتبه، إضافة إلى الكتابات الصحفية التي نشطت في تناوله، خصوصا من جوانب كتاباته الإبداعية والنقدية بعيدا عن كتاباته الدينية، ومحاولة تأهيله من جديد في زمن الثورة والثوار.

يذهب النمنم بعيدا في استدراج تاريخ قطب، منذ بداياته الأولى التي شكلت جزءا مهما من شخصيته، خصوصا بعد انتقاله من قريته إلى القاهرة، وتردده على مجلس عباس محمود العقاد الأسبوعي، وخروجه المبكر لسوق العمل، والتزامه بعائلته، ثم بداياته في التأليف التي كانت أدبية، ثم التحول إلى الكتابة الاجتماعية إبان طرح الولايات المتحدة مشروع محاصرة الفكر الشيوعي في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي كان قطب إحدى أدواته، ثم التحول إلى الماسونية وكتابة المقال الافتتاحي في مجلة المحفل "التاج المصري"، وصولا إلى ثورة يوليو وعلاقته الملتبسة بها، وتتويجه حياته بالانضمام رسميا إلى جماعة الإخوان المسلمين، والصدام مع حكم عبد الناصر وصولا إلى إعدامه.

يشير النمنم إلى كثير من الأسطرة التي حاولت الجماعة إضفاءها على سيرة الرجل، خصوصا في المنعطفات الغامضة من حياته، كالبعثة إلى أميركا، أو موقعه في ثورة يوليو، أو العوامل التي أسهمت في تطرفه. والكتاب يكشف "الجانب القلق" من شخصية قطب التي تنقلت من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، إضافة إلى سمات انتهازية ظهرت في شخصيته عند بعض المنحنيات أو الحوادث التاريخية.

والكتاب، كذلك، يهدم رواية الجماعة من أن قطب اكتسب الحدة والتطرف والقطعية والتكفير بسبب سنوات السجن الطويلة، من خلال تأكيده أن تلك الصفات كانت سابقة على فترة السجن، وظهرت في فترة مبكرة من حياته، خصوصا في كتابه "العدالة الاجتماعية في الإسلام".

الكاتب عاد إلى جميع ما كتبه قطب خلال المراحل المختلفة من حياته، إضافة إلى الحوادث المهمة التي صبغت تلك الفترات، وتعامل بأسلوب الباحث والمقارن الذي يتوق للوصول إلى نتائج، لولا بعض القفزات التي جاءت بأحكام قطعي كما لو أنها آراء شخصية، مثل تأكيده عدم أهلية وجدارة قطب لتولي أي وظيفة رسمية في ثورة الضباط الأحرار، والتي بدا فيها النمنم أقرب إلى المقلل من الشأن منه إلى الباحث.

لسنوات طويلة ظل اسم سيد قطب رمزا مقدسا في كثير من البلدان، ورغم أبحاث عديدة وضعته في أعلى قائمة من تأثرت بأفكارهم التنظيمات المتطرفة والإرهابية، إلا أن تناوله من باب الدراسة الرصينة ظل غائبا، فالدراسات تناولته إما لتقديس صورته، أو دراسات انفعالية لتحطيم تلك الصورة، ولعل هذا الكتاب أقرب ما يكون إلى محاولة رسم صورة قلمية لقطب.

سيرة قطب جديرة بالدراسة والتمحيص، وبالوقوف على الانعطافات الحادة التي شكلت منه قياديا استقطابيا أثّر، ليس فقط على أبناء جيله، بل على أجيال كاملة من التيارات الإسلامية حتى يومنا هذا. ورغم أن الكتاب ليس جديدا تماما، فطبعته الأولى صدرت في 2014؛ أي بعد عام واحد من انهيار حكم الجماعة في مصر، إلا أنه يشتمل على نظرة موسعة عن الرجل الذي حدد كثيرا من مسارات الجماعة، وصبغ الإسلام السياسي بصورته الراهنة، وفرّخ، بحسب باحثين، عشرات التنظيمات المسلحة التي مارست التطرف والإرهاب.. أو.. أنها استلهمت نموذج سيد قطب في محاولة تأسيس "مجتمع العدالة" الذي اقترحه.

 

التعليق