استعجال تمرير "قانون الدخل" توريط لحكومة الرزاز

تم نشره في السبت 18 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً

أحمد محمد عوض*

حالة الاستعجال الحكومية في تمرير قانون ضريبة الدخل الجديد غير مبررة، فما تم إجراؤه حتى الآن من حوارات مع العديد من القوى الاجتماعية المختلفة وأصحاب المصالح لا يرقى الى ما يمكن تسميته مشاورات حقيقية لبناء توافقات وتسويات اجتماعية تعكس مصالح مختلف الأطراف، فهذا النوع من المشاورات بحاجة الى استخدام منهجيات وتقنيات محددة وملائمة.
العديد من المعطيات تدفع باتجاه عدم الإسراع في تمرير القانون؛ إذ ما تزال القضايا المفصلية التي دفعت العديد من الشرائح والقوى الاجتماعية الى الاحتجاج الذي أدى الى إسقاط الحكومة السابقة في أيار (مايو) وحزيران (يونيو) الماضيين غير واضحة، ولم يتم بناء تفاهمات وتسويات اجتماعية حولها، وهي بحاجة الى مزيد من الجهود لتطويرها، ومن شأن الإسراع في تمرير القانون من دون هذه التفاهمات والتسويات أن ينجم عنها تداعيات تعيدنا الى المربع الأول.
والخشية تكمن في أن هذا الاستعجال ناجم عن تأثيرات ودفع بعض الأطراف ذات المصلحة في وضع العقبات أمام حكومة عمر الرزاز وتوريطها في صراعات شبيهة بما حدث مع حكومة هاني الملقي بهدف إفشالها.
وبالرغم من أهمية ما قامت به الحكومة خلال الشهرين الماضيين من عمليات استماع للعديد من الأطراف وأصحاب المصالح، والاستطلاع (غير العلمي) الذي أجرته الحكومة نهاية الأسبوع الماضي، إلا أن مجمل ذلك غير كاف حتى الآن لتطوير قانون ضريبة دخل يأخذ بعين الاعتبار مصالح مختلف الأطراف، ويقوم على تفاهمات وتسويات اجتماعية تلبي الحدود الدنيا من مصالحها.
هنالك أهمية كبيرة لما أعلنته الحكومة على لسان رئيسها ونائبه وبعض الوزراء، حول رؤيتها وتوجهاتها العامة لمجمل السياسات الضريبية في الأردن، وأمر يدعو الى الارتياح أن تعترف أنها سياسات غير عادلة، وإفصاحها عن نيتها معالجة بعض الاختلالات في القانون المعمول به حاليا، وتقديم صياغة محكمة للقانون ومعالجة التهرب الضريبي وتطوير الإدارة الضريبية، وفصل الادعاء العام المعني بضريبة الدخل عن السلطة التنفيذية، الى جانب غيرها من القضايا.
ولكن القضايا الأكثر أهمية والمتمثلة في الإعفاءات والشرائح الضريبية التي ستخضع لضريبة الدخل، وعدد شرائح الدخل التي ستخضع للضريبة التصاعدية ومدى هذه الشرائح، والنسب المفروضة عليها، ما تزال ضبابية ولم يجر عليها تفاهمات حتى الآن، وفكرة نقل ساحة الحوار الى مجلس النواب غير رشيدة؛ إذ إن مكانته كلاعب مؤثر في رسم السياسات الأساسية لا تؤهله للقيام بهذا الدور (وإن كنا نتمنى ذلك)، ولكن الواقع خلاف ذلك، وما حدث في شهري أيار (مايو) وحزيران (يونيو) الماضيين دليل واضح على ذلك.
وفي السياق ذاته، فإن أي صيغة لقانون ضريبة الدخل بهدف زيادة الإيرادات الضريبية المباشرة من أجل إعادة التوازن الى هيكل مجمل الإيرادات الضريبية، يجب أن يرافقه وبشكل مواز تخفيض في الضريبة العامة على المبيعات والضرائب على المشتقات النفطية (ضريبة غير مباشرة)، وبهذه الطريقة فقط يتم إقناع مختلف الشرائح الاجتماعية أن الحكومة ذاهبة باتجاه بناء سياسات ضريبية عادلة لأن إعلان الحكومة عن نواياها بالقيام بذلك في المستقبل غير كاف، فمنسوب الثقة بين الغالبية الكبرى من المواطنين والحكومات متدن جدا، وسيتعاملون معه باعتباره من عشرات الوعود الحكومية السابقة ولم تتحقق.
نأمل أن تتأنى الحكومة في تعاملها مع قانون ضريبة الدخل، فقوانين الضريبة في مختلف دول العالم محل صراع اقتصادي واجتماعي وسياسي، وتحتاج إلى وقت وجهد لإنضاجها، ونقترح أن تتجه لبناء تفاهمات في القضايا المفصلية التي تم الإشارة اليها أعلاه، بحيث تقوم على تسويات اجتماعية تأخذ بعين الاعتبار مبادئ العدالة الضريبية المتعارف عليها عالميا.

*مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية

التعليق