العالم الذي نعيش فيه (2) عالَم ليبرالي: النظام المرِن

تم نشره في السبت 18 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • فتاة محاطة بأعلام الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في الذكرى الخمسين لتأسيس معاهدة روما-(أرشيفية)

دانيال ديودني؛ وجيه. جون إكينبيري - (فورين أفيرز) عدد تموز (يوليو)/ آب (أغسطس) 2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعد عقود مما يُفترض أن يكون ذهابها من الغرب، أعادت القوى الظلامية في عالم السياسة –اللا-ليبرالية، والأوتوقراطية، والقومية، والحمائية، ومدارات النفوذ، والتحريفية الإقليمية- تأكيد حضورها فيه. وحطمت الصين وروسيا كل الآمال في انتقالهما سريعاً إلى الديمقراطية ودعم النظام العالم الليبرالي. وقامتا، على النقيض من ذلك، بتقوية نظاميهما الاستبداديين في الوطن، واستهانتا بالأعراف والقواعد في الخارج. بل أن ثمة ما هو أكثر إدهاشاً؛ فبتصويت المملكة المتحدة لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، "بريكسيت"، وانتخاب الولايات المتحدة دونالد ترامب رئيساً، يكون الرعاة الرائدون للنظام العالم الليبرالي قد اختاروا تقويض نظامهم نفسه. وعبر العالم، ظهرت عقلية قومية جديدة، والتي تنظر إلى المؤسسات الدولية والعولمة كتهديدات للسيادة الوطنية والهوية أكثر من كونها فُرصاً.
لا شك في أن الصعود الراهن للقوى غير الليبرالية والقادة غير الليبرالين يثير القلق. ومع ذلك، ما يزال من المبكر كثيراً كتابة نعي الليبرالية كنظرية للعلاقات الدولية، والليبرالية الديمقراطية كنظام للحكم، أو النظام الليبرالي كإطار شامل للسياسة العالمية. وتبقى الرؤية الليبرالية للدول القومية وهي تتعاون معاً لتحقيق الأمن والازدهار ضرورة حاسمة اليوم كما كان حالها في أي وقت في العصر الحديث. وعلى مدى مسيرة التاريخ الطويلة، واجهت الديمقراطية الليبرالية أوقاتاً عصيبة في الماضي، وتعرضت لعدة ضربات قوية، فقط لتعود وتنتعش وتكسب الأرضية. وقد فعلت ذلك بفضل القبول الذي تتمتع به قيمها الأساسية، وقدراتها الفريدة على التصدي بفعالية لمشكلات الحداثة والعولمة.
وسوف يدوم هذا النظام الآن، أيضاً. وحتى مع أن القوة النسبية للولايات المتحدة تتضاءل، فإن النظام الدولي الذي حافظت على ديمومته لسبعة عقود يبدو قادراً على التحمل والبقاء بطريقة مدهشة. وطالما كانت الاعتمادية المتبادلة –الاقتصادية، والأمنية، والبيئية- مستمرة في النمو، فإن الناس والحكومات في كل مكان سيكونون ملزمين بالعمل معاً لحل المشكلات أو أنهم سيعانون من ضرر بليغ. وبالضرورة، سوف تبني هذه الجهود على –وتعزِّز- مؤسسات النظام الليبرالي.
الرؤية الليبرالية
تعتقد الليبرالية الحديثة بأن سياسة العالم تتطلب مستويات جديدة من التكامل السياسي استجابة للترابط والاعتمادية المتبادلة المتزايدة بلا هوادة. لكن الأنظمة السياسية لا تصعد بتلقائية، ويجادل الليبراليون بأن عالماً يضم المزيد من الدول الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية سوف يكون أكثر سلاماً وازدهاراً واحتراماً لحقوق الإنسان. ولكن، ليس من المحتم أن ينتهي التاريخ بانتصار الليبرالية، وإنما من المحتم أن يكون أي نظام عالمي محترم ولائق ليبرالياً.
ربما يبدو الصعود الحالي للقوى غير الليبرالية والركود البائن للنظام العالمي الليبرالي وكأنه يضع هذه المدرسة في التفكير في موضع الشك. لكن الدول، على الرغم من بعض الاستثناءات الملحوظة، ما تزال تتفاعل في المعظم من خلال المؤسسات الدولية المتآكلة، بروح التكيف البراغماتي الخادم للذات.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن جزءاً من السبب في أن الليبرالية قد تبدو غير مناسبة لهذه الأوقات هو أن الكثير من منتقديها يهاجمون نسخة ضعيفة من النظرية. وعادة ما يتم تصوير الليبراليين على أن لديهم افتراضات مفرطة في التفاؤل –بل ويوتوبية- عن مسار التاريخ البشري. لكن لديهم في الواقع تفاؤلية مشروطة وأكثر اعتدالاً بكثير، والتي تعترف بالمقايضات المأسوية، وهم  واعون بشدة لإمكانيات حدوث الكوارث الكبيرة. ومثل الواقعيين، يدرك الليبراليون أنها الطبيعة البشرية هي التي تسعى دائماً إلى السلطة، وهو السبب في أنهم يؤديون وضع الضوابط الدستورية والقانونية. لكن الليبراليين، على عكس الواقعيين الذين ينظرون إلى التاريخ على أنه دوري، هم ورثة المشروع التنويري للابتكار التقني، الذي يفتح إمكانات جديدة لكل من التقدم البشري والكوارث على حد سواء.
الليبرالية برغماتية في جوهرها. ويعتنق الليبراليون المعاصرون الحكومات الديمقراطية، ونظم الاقتصاد القائمة على السوق، والمؤسسات الدولية –ليس من منطق المثالية وإنما لأنهم يعتقدون بأن هذه الترتيبات هي أكثر تأهيلاً لتحقيق المصالح في العالم الحديث من البدائل الأخرى. وفي الحقيقة، ولدى التفكير في العالم، فإن المتغير الذي يهم أكثر ما يكون بالنسبة للمفكرين الليبراليين هو الاعتمادية المتبادلة. ولأول مرة في التاريخ، أصبحت المؤسسات العالمية الآن ضرورية لتحقيق المصالح الإنسانية الأساسية؛ والأشكال الكثيفة من التعالق والاعتمادية المتبادلة التي كانت حاضرة ذات مرة على مستوى أصغر فحسب، أصبحت الآن موجودة على نطاق عالمي. وعلى سبيل المثال، في حين كان يتم احتواء المشكلات البيئية داخل البلدان أو الأقاليم إلى حد كبير، أصبح التأثير التراكمي للنشاطات البشرية على نظام دعم الحياة البيولوجية-الكوكبية الآن كبيراً جداً بحيث تتطلب اسماً جيولوجياً جديداً في الفترة الحالية –الأنثروبوسين. وعلى النقيض من منافستَيها، القومية والواقعية، اللتين تنظران إلى الوراء، تتميز الليبرالية بقدرة على التكيف البراغماتي وتنطوي على ميل إلى الابتكارات المؤسسية الضرورية للاستجابة للتحديات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، والحرب السيبرانية، والهندسة الجينية الوراثية.
بشكل عام، تبقى الليبرالية جذابة عالمياً وعلى الدوام لأنها تتكئ على التزام بكرامة وحرية الأفراد. وهي تكرس فكرة التسامح، التي ستمس الحاجة إليها بشدة بينما يصبح العالم أكثر تنوعاً وتعالقاً باطراد. وعلى الرغم من أن هذه الأيديولوجية نشأت في الغرب، فإن قيمها أصبحت عالمية، وقد اتسع أبطالها ليضموا المهاتما غاندي، وميخائيل غورباتشيف، ونيلسون مانديلا. وحتى مع أن الإمبريالية والعبودية والعنصرية لطخت كلها التاريخ الغربي، فقد كانت الليبرالية دائماً في مقدمة الجهود –السلمية والمسلحة على حد سواء- للإصلاح وإنهاء هذه الممارسات. وبالقدر الذي ينحني فيه قوس التاريخ الطويل نحو العدالة، فإنه يفعل ذلك بفضل النشاط والالتزام الأخلاقي لليبراليين وحلفائهم.
التراجع الديمقراطي في المنظور
بالعديد من الطرق، تجيء الضائقة التي تعانيها الليبرالية اليوم كنتيجة غير مباشرة لنجاح النظام العالمي الليبرالي. فبعد الحرب الباردة، أصبح ذلك النظام عالمياً، يمتد أبعد من مسقط رأسه في الغرب. لكن المشاكل شرعت في الظهور مع انتشار الأسواق الحرة: تعاظمت اللامساواة الاقتصادية؛ وانهارت التسويات السياسية القديمة بين رأس المال والعمالة؛ وتآكل الدعم الاجتماعي. وتم توزيع فوائد العولمة والتوسع الاقتصادي بشكل غير متناسب لصالح النُّخب. وازدهرت سلطة القلة. وتحول شكل معدل من الرأسمالية إلى شيء من نوع "الفائز يأخذ كل الكازينو". وتبين أن الكثير من الديمقراطيات الجديدة تفتقر إلى التقاليد والعادات الضرورية لإدامة المؤسسات الديمقراطية. وأثارت تدفقات كبيرة من المهاجرين رد فعل عنيف من كراهية الأجانب. ومعاً، ساهمت هذه التطورات في التشكيك بمشروعية الحياة الديمقراطية الليبرالية وخلقت فُرَجاً للديماغوجيين الانتهازيين.
تماماً كما أن أسباب التوعك واضحة، فكذلك هو الحل: عودة إلى أساسيات الديمقراطية الليبرالية. وبدلاً من تحدي المبادئ الأولى للديمقراطية الليبرالية بعمق، تدعو المشكلات الحالية إلى إجراء إصلاحات من أجل تحقيقها بشكل أفضل. فلتقليل عدم المساواة، يحتاج القادة السياسيون للعودة إلى السياسات الديمقراطية الاجتماعية المتضمنة في "الصفقة الجديدة" New Deal، وإقرار المزيد من الضرائب التصاعدية، والاستثمار في التعلم والبنية التحتية. ولتعزيز إحساس بهوية الديمقراطية الليبرالية، سوف يحتاجون إلى التأكيد على التعليم كمحفز لاستيعاب وتعزيز الخدمات الوطنية والعامة. وبعبارات أخرى، فإن علاج مشاكل الديمقراطية الليبرالية هو المزيد من الديمقراطية الليبرالية؛ حيث تنطوي الليبرالية على بذور خلاصها الخاص.
في واقع الأمر، تعافت الديمقراطيات الليبرالية مراراً من الأزمات الناجمة عن تجاوزاتها الخاصة. في الثلاثينيات، تسبب الإفراط في الإنتاج وتكامل الأسواق المالية إلى حدوث كساد اقتصادي، والذي آذن بصعود الفاشية. لكنه تسبب أيضاً في إبرام "الصفقة الجديدة" وظهور الديمقراطية الاجتماعية، مما أنجب شكلاً أكثر استقلاراً من الرأسمالية. وفي الخمسينيات، شكل "مشروع منهاتن"Manhattan Project ، مقروناً بالخصومة الأميركية-السوفياتية المتصاعدة، خطراً حقيقياً من هولوكوست نووي على مستوى العالم. وأدى ذلك التهديد إلى نشوء معاهدات السيطرة على الأسلحة والاتفاقيات الخاصة بحكم الفضاءات العالمية، وهي صفات أبرمتها الولايات المتحدة بالتعاون مع الاتحاد السوفياتي. وفي السبعينيات، أفضى استهلاك الطبقة الوسطى الناهضة إلى نقص في إمدادات النفط، وركود اقتصادي وتدهور بيئي.  وفي الاستجابة، أسست الديمقراطيات الصناعية المتقدمة اتفاقيات تنسيقية للنفط، واستثمرت في الطاقة النظيفة، وأبرمت العديد من الاتفاقيات البيئية الدولية التي تهدف إلى الحد من الملوِّثات. ومع أن المشكلات التي تواجهها الديمقراطيات الليبرالية اليوم كبيرة، فإنها ليست أكثر تحدياً من تلك التي واجهتها وتغلبت عليها في تلك العقود الأخيرة تاريخياً. وبطبيعة الحال، ليست هناك أي ضمانات بأن الديمقراطيات الليبرالية سوف ترتقي إلى مستوى التصدي لهذه المهمة بنجاح، لكن استبعادها سوف يتعارض قطعاً مع التجارب التاريخية المتكررة.
تتجاهل التنبؤات القاتمة هذه النجاحات السابقة لليبرالية. وهي تعاني من نزعة آنية مُعمِية. ويشكل أخذ الجديد والمهدِّد على أنه النمط السيد رد فعل انعكاسي مفهوم في وجه التغيير، لكنه لا يشكل أبداً دليلاً إرشادياً للمستقبل. فالترتيبات البشرية كبيرة النطاق مثل الديمقراطية الليبرالية نادراً ما تتغير بسرعة أو بشكل جذري كما تبدو أنها تفعل في الوقت الحالي. وإذا كان التاريخ ليشكل أي دليل، فإن شعبويي اليوم غير الليبراليين والسلطويين سوف يتسببون في ظهور المقاومة والحركات المناهضة.
النظام المرِن
بعد الحرب العالمية الثانية، انضمت الديمقراطيات الليبرالية معاً لإنشاء نظام عالمي يعكس مصالحها المشتركة. وكما هو الحال مع الديمقراطية الليبرالية نفسها، فإن النظام الذي ظهر ليرافقها لا يمكن نقضه بسهولة. فهو من ناحية، مندغم عميقاً. وقد وجه الملايين من الناس، إن لم يكن المليارات، أنشطتهم وتوقعاتهم نحو مؤسسات هذا النظام وحوافزه، من المزارعين إلى صانعي الرقاقات الإلكترونية الدقيقة. ومهما تكن بعض عناصره غير جذابة، فإن استبدال النظام الليبرالي بشيء مختلف جوهرياً سوف يكون صعباً للغاية. وعلى الرغم من التوقعات العالية التي تولدها، فإن الحركات الثورية كثيراً ما تفشل في إحداث تغييرات دائمة. ومن غير الواقعي اليوم التفكير بأن بضع سنوات من الديماغوجية القومية سوف تفكك الليبرالية بشكل جذري.
تجعل الاعتمادية المتبادلة المتنامية من الصعب تفكيك هذا النظام بشكل خاص. فمنذ تأسيسها في القرن التاسع عشر، كانت الليبرالية ملتزمة بعمق بالتحسن التقدمي التدريجي للحالة الإنسانية من خلال الاكتشافات العلمية والتقدم التقني. وقد شرع هذا المشروع التنويري بطرح الثمار العملية على نطاق واسع في القرن التاسع عشر، حيث أحدث تغييراً في كل عنصر من عناصر الحياة البشرية. وقد تدفقت التقنيات الجديدة للإنتاج، والاتصالات، والنقل، والتدمير. وكان النظام الليبرالي في المقدمة، ليس فقط في إذكاء جذوة الابتكار، وإنما في التعامل مع التداعيات السلبية أيضاً. وعلى سبيل المثال، تعززت أطروحة آدم سميث للتجارة الحرة عندما أصبح من الأسهل تأسيس سلاسل التوريد عبر المسافات العالمية. وتعززت قضية السلام الممتدة بطول قرن عندما تحولت الأسلحة من كونها بسيطة ومحدودة في قدرتها التدميرية إلى صواريخ الحقبة النووية القادرة على تدمير مدن بأكملها. وازدهرت المجتمعات الرأسمالية في الديمقراطيات الليبرالية وتوسعت لأنها برعت بشكل خاص في تحفيز واستغلال الابتكار وفي التأقلم مع تأثيراته غير المباشرة وجوانبه الخارجية السلبية. وباختصار، تتفوق الحداثة الليبرالية في حصاد ثمار التقدم المعاصر وفي الحماية من مخاطره على حد سواء.
الآن، يبدو أن هذه الدينامية من التغير المستمر والثابت، والاعتمادية المتبادلة المتزايدة باطراد، تتسارع فحسب. ومع أن التقدم البشري تسبب بضرر بليغ للكوكب وغلافه الجوي، فإن التغير المناخي سوف يتطلب أيضاً مستويات غير مسبوقة من التعاون الدولي. ومع صعود الأسلحة البيولوجية والحرب السيبرانية، فإن قدرات إيقاع دمار شامل تصبح أرخص كلفة والوصول إليها أكثر سهولة، مما يجعل التنظيم الدولي لهذه التقنيات ضرورة حاسمة للأمن القومي لكل البلدان. وفي الوقت نفسه، جذبت الرأسمالية العالمية مزيداً من الناس والبلدان إلى شبكات التبادل عبر الحدود، جاعلة كل فرد معتمداً فعلياً على الإدارة الكفؤة للتمويل والتجارة الدوليين. وفي عصر الاعتمادية الكونية المتبادلة، يتحتم حتى على الواقعي أن يكون أممياً.
من المرجح أن يستمر النظام الدولي في الوجود لأن بقاءه لا يعتمد على كون كل أعضائه ديمقراطيات ليبرالية. وعلى السطح، لا يبدو أن عودة الانعزالية، وصعود الأنظمة غير الليبرالية مثل الصين وروسيا، والركود العام للديمقراطية الليبرالية في أجزاء كثيرة من العالم، تبشر بخير للنظام الليبرالي العالمي. ولكن، وخلافاً للحكمة التقليدية، فإن العديد من مؤسساته ليست ليبرالية الطابع بشكل فريد. إنها بدلاً من ذلك "ويستفالية" Westphalian، في كونها مصممة فقط لحل مشكلات الدول ذات السيادة، سواء كانت ديمقراطية أو استبدادية. والعديد من المشاركين الرئيسيين في هذه المؤسسات هم أي شيء سوى أن يكونوا ليبراليين أو ديمقراطيين.
فلنفكر في الجهود التعاونية للاتحاد السوفياتي خلال حقبة الحرب الباردة. في ذلك الحين، كان النظام العالمي الليبرالي بشكل أساسي ترتيباً بين الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا، وأميركا الشمالية، وشرق آسيا. وحتى مع ذلك، عمل الاتحاد السوفياتي في كثير من الأحيان مع الديمقراطيات للمساعدة في بناء المؤسسات الدولية. ولم يكن موقف موسكو الملتزم بمناهضة الليبرالية سبباً يمنعها من التعاون مع واشنطن من خلال "منظمة الصحة العالمية" لقيادة حملة عالمية للقضاء على وباء الجدري، والتي نجحت في القضاء على المرض نهائياً في العام 1979.
وفي وقت أقرب، وضعت البلدان من كل الأطياف قواعد عالمية للحماية ضد الدمار البيئي. ويضم الموقعون على اتفاق باريس للمناخ، على سبيل المثال، أوتوقراطيات مثل الصين وإيران وروسيا. كما ازدهرت المناهج الويستفالية أيضاً عندما تعلق الأمر بحكم الفضاءات المشتركة، مثل المحيطات، والغلاف الجوي، والفضاء الخارجي، والقارة القطبية الجنوبية. ولذكر مثال واحد فقط، فإن بروتوكول مونتريال للعام 1987، الذي أحبط تدمير طبقة الأوزون، تلقى دعماً نشطاً من الديمقراطيات والدكتاتوريات على حد سواء. ولا تشكل مثل هذه الاتفاقيات تحديات لسيادة الدول التي تصنعها، وإنما هي تدابير جماعية لحل المشكلات التي لا تستطيع هذه الدول معالجتها بمفردها.
لا تتطلب معظم المؤسسات في النظام الليبرالي أن يكون داعموها ديمقراطيات ليبرالية؛ إنها تتطلب فقط أن يكونوا من قوى الوضع الراهن وأن يكونوا قادرين على الوفاء بالتزاماتهم. وهي لا تتحدى النظام الويستفالي؛ وإنما توثِّقه. وعلى سبيل المثال، تكرس الأمم المتحدة مبدأ سيادة الدولة، ومن خلال الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن فكرة إسناد اتخاذ القرار إلى القوى العظمى. كل هذا يجعل النظام أكثر ديمومة. ولأن الكثير من التعاون الدولي ليست له أي علاقة بالليبرالية أو الديمقراطية، فإنه يظل بإمكان الساسة المعادين لكل شيء ليبرالي حين يكونون في السلطة الاحتفاظ بأجنداتهم الدولية والإبقاء على النظام حياً. وقد وفر استمرار المؤسسات الويستفالية أساساً دائماً يمكن عليه بناء مؤسسات ليبرالية وديمقراطية بشكل متميز في المستقبل.
ثمة سببٌ آخر للاعتقاد بأن النظام الليبرالية سوف يبقى، والذي يدور حول عودة المنافسة الأيديولوجية. كانت فترة العقدين ونصف العقد الماضية ناشزة بشكل خاص في أنه لم يكن لليبرالية منافس موثوق. وخلال بقية وجودها، كانت الليبرالية قد واجهت المنافسة التي جعلتها أقوى. وطوال القرن التاسع عشر، سعت الديمقراطيات الليبرالية إلى التفوق في الأداء على الأنظمة الملَكية والوراثية والأرستقراطية. وخلال النصف الأول من القرن العشرين، خلق المنافسون الأوتوقراطيون والفاشيون حوافز قوية للديمقراطيات الليبرالية لتقوم بترتيب بيوتها الخاصة ولكي تنضم معاً. وبعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت النظام الليبرالي، في جزء منه، لاحتواء تهديد الاتحاد السوفياتي والشيوعية الدولية.
الآن، يبدو من المرجح بازدياد أن يسعى الحزب الشيوعي الصيني إلى عرض بديل عن مكونات النظام القائم التي لها علاقة بالليبرالية الاقتصادية وحقوق الإنسان. وإذا انتهى به المطاف وهو يتنافس مع الديمقراطيات الليبرالية، فإنها ستواجه الضغط مجدداً للإعلاء من شأن قيمها وتعزيزها. وكما كان الحال خلال الحرب الباردة، سوف تكون لديها الحوافز لإجراء إصلاحات محلية وتقوية تحالفاتها الدولية. وكان لانهيار الاتحاد السوفياتي، ولو أنه شكل علامة فارقة في تقدم الديمقراطية الليبرالية، تأثير منطوٍ على مفارقة، هو القضاء على واحد من محركاتها الأساسية للتضامن. والأخبار السيئة بالنسبة للمنافسة الأيديولوجية المتجددة يمكن أن تكون أخباراً جيدة للنظام العالمي الليبرالي.
انصهار المركز
في تحديه لالتزام الولايات المتحدة بحلف الناتو والقواعد التجارية لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) ومنظمة التجارة العالمية، وضع ترامب موضع الشك دور الولايات المتحدة التقليدية كزعيم للنظام الليبرالي. وبالتصويت لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، دفعت المملكة المتحدة بنفسها إلى بحار المجهول التي ينطوي عليها الانسحاب الكامل من المؤسسة الأوروبية الأكثر قيمة في فترة ما بعد الحرب. وفي خطوة غير مسبوقة، يبدو المركز الأنجلو-أميركي للنظام الليبرالي وأنه عكس وجهة المسار تماماً.
على الرغم مما يعِد به مؤيدو ترامب و"بريكسيت"، فإن إنجاز انسحاب حقيقي فعلاً من هذه الالتزامات القائمة منذ وقت طويل سيكون صعباً للغاية، لأن مؤسسات النظام الدولي الليبرالي، على الرغم من أنها تُعامَل دائماً على أنها هشة وسريعة الزوال، هي في الحقيقة مرنة ومقاوِمة تماماً. إنها لم تظهر بالصدفة، وإنما كانت نتاجاً لمصالح عميقة. وعلى مر العقود، أصبحت أنشطة ومصالح فاعلين لا حصر لعددهم –من الشركات، والمجموعات المدنية والبيروقراطيات الحكومية- متشابكة بطريقة معقدة في هذه المؤسسات. وقد يبدو قطع هذه الروابط المؤسسية بسيطاً، لكنه في الممارسة معقد إلى حد بعيد.
أصبحت الصعوبات واضحة بوفرة مسبقاً مع "بريكسيت". وكما يتبين، فإنه ليس من السهل أن يتم بضربة واحدة نقض مجموعة من الترتيبات المؤسسية التي كانت قد تطورت على مدى خمسة عقود، والتي تلامس عملياً كل عنصر من عناصر الحياة والحكومة في بريطانيا. ويعني الانفصال عن الاتحاد الأوروبي التخلي عن الحلول للمشكلات الحقيقية، والمشاكل التي لم تذهب. وفي إيرلندا الشمالية، على سبيل المثال، وجد المفاوضون في التسعينيات حلاً أنيقاً للصراع الذي طال أمده هناك من خلال السماح للمنطقة بأن تبقى جزءاً من المملكة المتحدة، إنما مع الإصرار على عدم وجود ضوابط على الحدود بينها وبين جمهورية إيرلندا –وهي صفقة سوف تنقضها مغادرة السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي واتحاده الجمركي. وإذا نجح المسؤولون حقاً من تطبيق "بريكسيت" بالكامل، فسوف يسفر ذلك كما يبدو عن النتيجة الحتمية المتمثلة في انخفاض الناتج الاقتصادي للمملكة المتحدة ونفوذها العالمي.
وبالمثل، كشفت الجهود الأولية التي تبذلها إدارة ترامب لتغيير شروط التجارة مع الصين من جانب واحد والتفاوض على "نافتا" مع كندا والمكسيك، عن مدى تشابك اقتصادات هذه الدول مع الاقتصاد الأميركي. وقد خلفت الروابط الدولية للإنتاج والتجارة خاسرين بكل وضوح، لكنها أنجبت أيضاً الكثير من الكاسبين الذين لديهم مصلحة أصيلة في الحفاظ على الوضع الراهن. وقد حصد المزارعون والمصنِّعون، على سبيل المثال، مكاسب هائلة من "نافتا" وضغطوا بقوة من أجل أن يبقي ترامب الاتفاقية قائمة، مما يجعل من الأصعب عليه، سياسياً، أن ينفذ انسحاباً كاملاً وفورياً.
بل إن حوافز واشنطن للبقاء في المؤسسات الأمنية الدولية أعظم. فالتخلي عن حلف الناتو، كما اقترح المرشح ترامب أن على الولايات المتحدة أن تفعل، سوف يعطل بشكل كبير نظاماً أمنياً وفر سبعة عقود من السلام لقارة مزقتها الحرب تاريخياً –وسوف يكون القيام بذلك في وقت يشهد عودة صعود روسيا خطيراً بشكل خاص. كما أن مصالح الولايات المتمحدة تُخدم جيداً بوضوح بالنظام الأمني القائم بطريقة تجعل أي إدارة أميركية ملزمة بإدامته. وفي الحقيقة، بدلاً من الانسحاب من الناتو، حوَّل ترامب تركيزه –كرئيس- إلى التقليد الأميركي العريق المتمثل في محاولة جعل الأوروبيين يزيدون إنفاقهم الدفاعي وتحمل قدر أكبر من العبء. وبشكل مشابه، تشهد قِطع رئيسية من عمارة السيطرة على الأسلحة النووية من نهاية حقبة الحرب الباردة تفككاً وتنتهي أوقات صلاحيتها. وما لم تكن القيادة الدبلوماسية الأميركية قادمة في القريب، فإن العالم قد يجد نفسه وقد أعيد مرة أخرى إلى سباق تسلح نووي غير منظم إلى حد كبير.
خلقت مبادرات إدارة ترامب حول التجارة وسياسات التحالفات قدراً كبيراً من القلق وعدم اليقين، لكن تأثيرها الحقيقي أقل تهديداً –أقرب إلى مراجعة للصفقات منها إلى الانسحاب من النظام نفسه. وبوضع تهديدات ترامب بالانسحاب الكامل وأسلوبه الفوضوي والمتهور جانباً، فإن بالإمكان النظر إلى مفاوضاته على الاتفاقيات التجارية والتحالفات الأمنية كجزء من عملية مستمرة وضرورية –ولو أنها قبيحة في بعض الأحيان- لموازنة الترتيبات التي تقوم عليها مؤسسات النظام العالمي الليبرالي.
بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من إهانات ترامب التي لا تهدأ للنظام الدولي، فإنه تصرف في بعض الأحيان بطرق تلتزم بالدور الأميركي التقليدي أكثر من كونها تخرج عليه. كان استخدامه الأكثر إدهاشاً للقوة حتى الآن هو قصف سورية بسبب انتهاكاتها الصارخة للقواعد الدولية باستخدام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين. وفي حين أن سياسته تجاه روسيا تبقى ملتفة ومختلة، فقد كانت بشكل أساسي نفس السياسات التي اتبعتها إدارتا جورج دبليو بوش وأوباما: فرض العقوبات على روسيا بسبب نزعاتها التحريفية في شرق أوروبا والفضاء السيبراني. وربما يكون الأهم هو أن تركيز ترامب على الصين كقوة عظمى منافسة قد يجبره هو أو أي إدارة أميركية مستقبلية على تجديد وتوسيع تحالفات الولايات المتحدة بدلاً من الانسحاب منها. وفي القضايا الأكثر أهمية، فإن سياسة ترامب الخارجية، برغم حديثها عن "أميركا أولاً" وتطبيقها الفوضوي، تستمر في المضي في مسارات النظام الذي بنته الولايات المتحدة.
في مجالات أخرى، بطبيعة الحال، يقوم ترامب فعلياً بتقويض النظام الليبرالي. ولكن، بينما تراجعت الولايات المتحدة إلى الوراء، فإن آخرين تقدموا إلى الأمام للحفاظ على المشروع. وفي خطاب ألقاه أمام الكونغرس الأميركي في نيسان (إبريل)، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باسم العديد من حلفاء الولايات المتحدة عندما دعا المجتمع الدولي إلى "رفع مستوى لعبتنا وبناء النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين، على أساس المبادئ الخالدة التي أسسناها معاً بعد الحرب العالمية الثانية". ويفعل الكثير من الحلفاء هذا بالضبط مُسبقاً. وحتى مع قيام ترامب بسحب الولايات المتحدة من الشراكة عبر الأطلسي، فإن الصفقة التجارية ما تزال حية، مع قيام 11 دولة أخرى من الدول الأعضاء بتطبيق نسخها الخاصة من الاتفاقية. وبالمثل، لم يوقف انسحاب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ عشرات الدول الأخرى عن العمل على تطبيق أهدافها الطموحة، ولا هو يمنع الكثير من الولايات، والمدن، والشركات والأفراد الأميركيين من بذل جهودهم الخاصة في هذا المجال. وربما يفقد النظام الليبرالي راعيه الأعلى، لكنه يقوم على أكثر بكثير من مجرد القيادة من المكتب البيضاوي.
النظرة طويلة الأمد
من السهل رؤية التطورات التي حدثت على مدى السنوات القليلة الماضية على أنها تعنيف للنظرية الليبرالية وإشارة على كسوف الديمقراطيات الليبرالية ونظامها العالمي. لكن هذا التصور سيكون خطأ. وعلى الرغم من أنه لا يجب التقليل من أهمية التحديات الحالية، فإن من المهم إدراك أنها تظل أقرب إلى القاعدة منها إلى الاستثناء. وعلى خلفية ما حدث في التسعينيات، عندما بدا أن نهاية الحرب الباردة تؤذن بالانتصار النهائي والدائم للديمقراطية الليبرالية و"نهاية التاريخ"، فإن الانتكاسات والشكوك الأخيرة تبدو غير قابلة للحل. لكن "بريكسيت"، وترامب، والقومية الجديدة، لن تبدو -إذا ما وضعت في السياق الأوسع للتاريخ- غير مسبوقة أو محملة بالخطر. وقد نجت الديمقراطيات الليبرالية وازدهرت في وجه تحديات أكبر بكثر ("الركود العظيم"، وقوى "المحور"، والحركة الشيوعية العالمية. وهناك كل سبب للاعتقاد بأنها ستستطيع تجاوز هذا التحدي الأخير أيضاً.
فوق كل شيء، ترتكز قضية التفاؤل بشأن الليبرالية على حقيقة بسيطة: أن الحلول لمشاكل اليوم هي المزيد من الديمقراطية الليبرالية والمزيد من النظام الليبرالي. فالليبرالية فريدة بين النظريات الرئيسية للعلاقات الدولية في رؤيتها المتلونة والمرنة للاعتمادية المتبادلة والتعاون –وهي خصائص العالم الحديث التي ستصبح أكثر قوة فقط بينما يتكشّف القرن. وعبر مسار التاريخ، كان التطور والأزمات والتغير المضطرب هي القاعدة، والسبب الذي جعل الليبرالية تبلي حسناً على هذا النحو هو أن طرقها في الحياة ماهرة في ركوب العواصف المضطربة للتغير التاريخي. وفي الحقيقة، لم يكن التأثير التراكمي لخطاب ترامب المتعصب للمحلية وسياساته الخطيرة هو الإطاحة بالنظام، وإنما تحفيز التعديل في داخله.
ذات مرة، قارن فيشر آميس، النائب عن ولاية مساشوستس في الكونغرس الأميركي الأول، النظم الاستبدادية بالسفينة التجارية، "التي تبحر بشكل جيد، لكنها تصطدم في بعض الأحيان بصخرة، وتذهب إلى القاع". أما الجمهورية، كما قال، فهي "طوف عائم، والذي لا يمكن أن يغرق أبداً، لكن قدميك تكونان دائماً في الماء". وسوف يسود النظام الليبرالي وديمقراطياته لأن السفينة الفخمة للا-ليبرالية يمكن أن تجنح بسهولة في الأوقات المضطربة، في حين أن طوف الليبرالية المرن سوف يمضي، ولو بطيئاً ومتثاقلاً، إلى الأمام.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Liberal World: The Resilient Order

التعليق