جميل النمري

الضريبة في الفكر الديمقراطي الاجتماعي

تم نشره في الأحد 19 آب / أغسطس 2018. 11:08 مـساءً

أثلج صدري تصريح د. رجائي المعشر أن الحكومة ستعتمد في القانون نظاما وطنيا للفوترة والدفع الإلكتروني بما يساعد على مواجهة التهرب الضريبي. هذا ما كنت أطالب به دائما. وكنت اقترحته أثناء مناقشة القانون الحالي في مجلس النواب (2014-2015)، لكن الحكومة ومدير الضريبة تذرعا بالاستحالة الفنية على جهاز الدائرة مفترضا أن ملايين الفواتير تقدم وتدقق يدويا.
لكن ليس واضحا إذا كان سيتم اعتماد الفوترة الإلكترونية لتخدم توثيق الإقرار الضريبي فقط، أم لتطبيق مبدأ الإعفاء على النفقات، وهو الطريقة الفعالة الوحيدة لمكافحة التهرب الضريبي بدل الصيغة الحالية للإعفاء والتي كانت حكومة الملقي قد خفضتها في مشروعها بما أثار موجة احتجاج كاسحة أسقطت المشروع والحكومة. الإعفاء على النفقات يخلق مصلحة للمستهلك الذي يشتري السلع والخدمات مهما كانت بإحاطة الضريبة علما لمن وكم دفع، ويمكن أن يكون الإعفاء عاما لأول خمسمائة دينار والباقي حتى ألفي دينار بل وحتى ثلاثة آلاف دينار شهريا يكون على النفقات لأن الحكومة تكون قد توثقت أن المواطن دفع أصلا ما يكفي من خلال ضريبة المبيعات وبقية الرسوم وهي تتجاوز 20 % من دخله، وهي ستحصلها من الذي قبضها؛ أي بائع السلعة أو الخدمة. بل ويمكن لمزيد من التحفيز إعطاء رديات على ضريبة المبيعات بنسبة 5 %. والمواطن صاحب الدخل المحدود الذي يدفع أقساط سيارته بمعدل 300 دينار شهريا لسنوات يذهب أكثر من نصفها للحكومة ناهيك عن فوائد البنك التي يذهب جزء منها للحكومة أيضا. التطور التكنولوجي يتيح الآن وضع برنامج للفوترة والربط الالكتروني يختصر ملايين الأوراق والحركات اليدوية، وإذا كان هناك شك في إمكانية تطبيقه غدا فليوضع في القانون لتطبيقه بعد غد. لكن لا نسمح للعجز والترهل البيروقراطي أن يبقي الآليات القديمة والرشاوى والفساد وضياع مئات الملايين بل والمليارات على الخزينة وفوق ذلك إدامة ثقافة التحايل والنصب وانعدام الصدق والالتزام في المعاملات التجارية ومعها إدامة الاقتصاد التحتي أو غير المنظم كما يسمى خارج القانون والرقابة والمشروعية.
هناك اعتراف واسع بضرورة العدالة في النظام الضريبي وهي تتحقق بتحصيل حصة أكبر من القادرين والتخفيف على غير القادرين، لكن السؤال كيف وما هي المقترحات الملموسة؟ كان هذا بالذات موضوع ورشة مكثفة عقدها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني الذي يمثل خط الديمقراطية الاجتماعية (يسار الوسط) قدم فيها ورقة مقترحات ناقشها وعقب عليها مختصون مثل رئيس جمعية خبراء الضريبة هاشم حمزة، وعميد كلية الاقتصاد السابق للجامعة الهاشمية د.سامر الرجوب، ورئيس مركز الفينيق للدراسات العمالية والاقتصادية أحمد عوض، ومعهم رئيس لجنة الاقتصاد في مجلس النواب د.خير أبو صعيليك، وظهر توافق على نظام الفوترة الإلكترونية والإعفاء على النفقات وتوسيع التصاعدية، إضافة الى أفكار مهمة أخرى بما فيها الجوانب الإجرائية والفنية التي تستحق النظر.
ثمة مدرستان رئيسيتان بشأن الضرائب في العالم: المدرسة الليبرالية (يمينية) التي تميل لتقليل ضريبة الدخل الى أدنى حد واستبدالها بضريبة المبيعات وإعفاء الدولة لأقصى قدر من الخدمات العامة وتركها للسوق. ومدرسة الديمقراطية الاجتماعية المنحازة لتصاعدية عالية لضريبة الدخل كمصدر رئيس للمالية العامة والحفاظ على دور الدولة في تقديم الخدمات والرعاية أو ما يطلق عليه دولة الرفاه الاجتماعي، وهو النموذج الذي ساد في شمال أوروبا. وعندنا ومنذ عقدين ذهب القرار ليد المدرسة الليبرالية، وهي كما نرى وصلت الى الفشل في التقدم بالاقتصاد والتنمية ووسعت الفوارق الاجتماعية لدرجة خطيرة وعمقت السخط والاحتقان الاجتماعي بما يدفع الآن للانعطاف الذي يفترض أن ينعكس في قانون الضريبة المقترح.

التعليق