ندوة استذكارية بمناسبة مرور 10 أعوام على رحيل درويش‎

تم نشره في الخميس 30 آب / أغسطس 2018. 11:00 مـساءً
  • مشاركون في ندوة حول الشاعر الراحل محمود درويش في النادي الأرثوذكسي أول من أمس - (الغد)

عزيزة علي

عمان - بمناسبة مرور عشر أعوام على رحيل الشاعر محمود درويش اقامت اللجنة الثقافية في النادي الارثوذكسي أول من أمس ندوة تذكارية، شارك فيها كل من د. ابراهيم السعافين، والشاعر زهير أبو شايب، وأدارها رئيس اللجنة د. سمير قطامي.

وبين المتحدثان أن درويش كان هويتنا التي عرفت العالم الأوروبي علينا في أرض لا يعرف فيها أحد أحدا، وهذا بسبب الثقافة العربية التي جعلت منه نقطة ارتكاز ثقافية.

ورأى المشاركون أن تجربة درويش مع المرض واستشراف الموت جعلته يكتب أجمل القصائد وأعمقها ليصبح مع قلة من الخالدين المبدعين والشعراء الكونيين.

وفي بداية الندوة، أشار د. سمير قطامي إلى أن درويش هو من أهم الشعراء العرب الذي ارتبط اسمه بشعر المقاومة والثورة والأرض، أحد أعلام الحداثة الشعرية العربية، وقضى عمره في التحديث والإبداع، وقد اغنى المكتبة العربية بأروع الدواوين الشعرية والكتابات النثرية قبل رحيله "13 مارس 1941 - 9 أغسطس 2008"، وقد اسهم درويش في تطوير القصيدة العربية.

من جانبه اعتبر د. ابراهيم السعافين درويش بالظاهرة الشعرية التي جذبت اليها عشرات التجارب التي وقعت في شرنقتها ولم تستطع الإفلات في الأغلب على الرغم من جمال هذه التجربة وأصالتها.

وبين السعافين أن الروائي الراحل جبرا ابراهيم جبر قد سمى القضية الفلسطينية بـ"الموضوع الكبير"، ورأى ان درويش تعامل مع هذه القضية "بذكاء ورؤيا ومعرفة واهلت شعره لان يرتفع بها إلى آفاق الإنسان، فالشعر لا ينحصر بحدث عابر، والقضية لا تنحصر بوقائع مهما تتفرد.

وتابع السعافين ما قاله جبرا عن درويش "لقد تماهى شعره بالصعود بين الذات والقضية التي تجردت من راهنيتها وأصبحت جزءا من وجع الإنسان يتفاعل معه من منظور يحقق المعادلة المفقودة بين الشعر والموضوع الكبير".

وتحدث السعافين عن تجربة الموت التي مر بها الشاعر قائلا "يكفي  لهذه التجربة أن تلجم شاعرا يتوقد بالحيوية ترده إلى مضيق من التذمر والشكوى والانسحاب، لكن تجربة المرض واستشراف الموت جعلته يكتب اجمل شعره واعمقه يصبح في عداد قلة خالدة من المبدعين والشعراء الكونين الذين يعمرون الزمان بما خلفوا من وهج الفكر والإبداع.

ويقف السعافين عند تحولات اللغة والدلالة في شعر درويش، لافتا الى انه شديد الغنى والتركيب والتعقيد والتحول، فالرؤية تتحول وفق شروط اجتماعية وسياسية ووجودية، ووفق التجربة الشخصية والمنظور الجمعي من القضية الفلسطينية، فعندما نرصد التحولات رصدا آليا فكان الشاعر مرتبط ربطا آليا بتحولات الزمان والمكان.

وزاد السعافين نلمس تحول لغة وتقنيات القصيدة عند الشاعر، منذ ديوانه الأول "عصافير بلا اجنحة"، الذي استبعده من أعماله الشعرية الكاملة، لانه كما قال لا يقدم الصورة التي ارادها لبداياته الشعرية، ولكن هذا الديوان يظهر بالتأكيد قدرته المبكرة في تجربته الشعرية لغة وتفكيرا.

وأوضح السعافين أن المتأمل لقصائد الشاعر يلحظ الملامح الاساسية في اللغة ومعجما وتكريبا وصورا وتقنيات مختلفة كالمفارقة والسخرية والتكرار والتناص والاتكاء على ما سبق من هذه التقنيات في دواوين وقصائد سابقة، ونرى تحولات تجربته الفنية وكيف تتنامي الافكار والدلالات وتتناسل وتنضج وتتعمق في المجموعات على نحو من الحب والموت والوطن، وايضا العلاقة الملتبسة مع حبيبته التي تتطور بإشكال مختلفة، وتطور دلالة طارئ وأصيل وصلت الذروة في قصيدة "عابرون في كلام عابر".

وبين السعافين أن الزمان كان له اثر بارز في التحولات من المتمثلة في الحدث عن الوطن والقضية والعروبة ومناصرة المكافحين والمعذبين والمناضلين، ورؤية الحبيبة وهي متوحدة معه في الدلالة وأبرزها الدفاع عن القضية والمبدأ الى معاينة القضايا الوجودية لتصبح النظرة الى الحب والأرض والوطن والمعذبين من زاوية وجودية في نظرة الفرد الى هذه القضايا وهو يعاني تجربة المرض وتقدم السن وابتعاد الحلم، والامعان في الغربة والاغتراب واستلاب الوطن وتشظي الأهداف والمبادئ والاحساس بقرب الموت ووشك النهاية.

وخلص السعافين إلى أن لغة درويش تحولت تدريجيا، بفعل التأمل والتفكير في ذاته ورؤية العالم ومعاينة التطورات في المناهج والتيارات والأفكار، وهو واسع الاطلاع يتأثر بما يقرأ ويهضم ما يقرأ، ويذهب بكل ما يقرأ بعيدا في صياغة قصيدة خاصة في لغتها وفكرها وايقاعها، فله لغته المتجددة وصورها ومجازاتها وقدرته على الافادة من الأساطير والمعتقدات الشعبية ومن صور الحياة والممارسات العامة مستفيدا من سيرته الشخصية وتجليات الزمن والمكان.

فيما قال الشاعر زهير أبو شايب إن درويش كان "هويتنا التي عرفت الآخر الأوروبي علينا في ارض لا يعرف فيها أحد أحدا، وذلك ليس بسبب الشعر وحده، بل لأن قوة الثقافة العربية جعلت منه نقطة ارتكاز قل أن تجد لها مثيلا في زمن العرب الراهن المليء بالهزائم والتشوهات والانهيارات".

وزاد أبو شايب منذ بدايات صعوده الشعر لم يكن درويش شاعرا، بل كان علامة ونقطة ارتكاز ثقافية اساسية في لحظتنا الراهنة ولادراك أن التحولات التي احدثتها قصائد درويش العربية المعاصرة لم تقتصر على البعد الجمالي بل تخطته الى البعد السياسي والوجودي.

ورأى أبو شايب أن التجديد عند درويش لم يقتصر على اللغة والرؤية والنص وفضاءاته، بل امتدت لتصنع متلقيا خاصا معنيا بالواقع وأسئلته على خلاف ذلك المتلقي الذي انشغلت الحداثة العربية بإنتاجه، والذي اجتهدت كثيرا في اقصاء النص عن الواقع، وإقصاء المتلقي عن أي انشغالات خارج النص.

واضاف أبو شايب شكل درويش بنصه المتفوق جماليا، أحد أهم المصدات التي كبحت جماح الحداثة الرعناء وتفلتاتها ونزعاتها الفوضوية دون الخوض في معارك جانبية وغير واقعية، ومع ذلك فانه كان أحد أهم الشعراء الحداثيين العرب الذين منحوا المشروعية لشعر الحداثة في مواجهة الشعر التقليدي الذي لم يرد ممثلوه مغادرة الماضي.

ولفت أبو شايب إلى أن عالم درويش الشعري ارتبط بموضوع واحد هو "فلسطين"، ليس ثمة شيء سواها ام البدايات ام النهايات وليس ثمة شعر بعيدا عنها لذا فان فلسطين التي كانت تبدو كأنها تحاصر قصيدة درويش قد حولتها الى بركان لا يتوقف عن التدفق، في فضاء يتسع لكل شيء.

وخلص أبو شايب إلى انه بعد هذه الأعوام من رحيل درويش سنكتشف ان شعره ما يزال يتحرك ويحرك المتلقي الذي لم ينفصل بعد عن واقعه، لقد توقف عن الكتابة مؤقتا بسبب ذلك الموت العابر لكنه سيظل يحركنا مثلما يحرك الهواء صفصافة قديمة تقف قرب الماء ولا يتطرق اليها العطش واليباس.

التعليق