جرعة من التفاؤل

تم نشره في الاثنين 10 أيلول / سبتمبر 2018. 11:06 مـساءً

رئيس الوزراء الحالي لم يتوقف عن مفاجأة المواطن الأردني وإدهاش المراقبين ليس بتواضعه وسلاسة حديثه وقربه  ومهارته في الاقتراب من هموم المواطن وأوجاعه، بل لحسن اختياره لما يقول والطريقة التي يعبر فيها عن أفكاره وتصوراته وقدرته على دمج أسئلة وشكوك وأولويات المواطن في خطابه بحرفية وعفوية وذكاء.
في المحاضرة التي ألقاها الرئيس أمام العشرات من الساسة والأساتذة والمفكرين والطلبة، استطاع الرئيس وخلال ما يزيد على الساعة والنصف أن يكسب انتباه المتابعين ويبعث في نفوس المتابعين الأمل ويقدم، وللمرة الأولى، ملامح لخطة النهوض الوطني التي تعمل الحكومة على صياغتها ويعرض رؤيته للواقع والتحديات والحلول من دون أن يغيب عن باله  الهموم والقضايا والأولويات التي تشغل المواطن أو الموارد والفرص المتوفرة والمتاحة لتمكين البلاد من مغادرة مربع الأزمات الذي ما يزال كابوسا يخيم على عقول ووجدان الأردنيين.
استجابة الرئيس لدعوة الجامعة الأردنية، ممثلة بمركز الدراسات الاستراتيجية لإلقاء المحاضرة، قرار يحمل في طياته الكثير من الرسائل ويؤسس لنهج جديد في علاقة الحكومات بالشعب، فالجامعة الأردنية هي إحدى أهم عجلات التنمية ومن رموز النهضة التي حققها الأردن في مجالات التعليم والبحث والتطوير. فقد استطاع الأردن وبفضل الجامعة أن يقضي على الأمية ويدرب قواه البشرية ويرفد البلدان العربية بما تحتاج له من الكفاءات.
الرسالة التي حملتها المحاضرة لجمهور المتابعين شاملة أسسها الرئيس على مقولات الشارع والمتمثلة بوجود أزمة ليقول "نعم هناك أزمة.. وهذا ليس جديدا علينا، فالأردن ولد من رحم الأزمات التي نجح في تحويل كل واحدة منها الى فرصة"،  مشيرا الى أزمة اللجوء الأخيرة والحوادث الإرهابية التي أظهرت كفاءة وقدرة المؤسسات على الاستجابة لها واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
ومع أن المحاضرة تسعى الى إقناع الناس بأهمية إقرار قانون الضريبة، إلا أن الرئيس عمل على استثمار المناسبة الى تقديم رؤيته للنهوض الوطني وقدم تصورا لخطة متكاملة تقوم على الإصلاح من خلال ثلاثة محاور، يتمثل الأول في بناء دولة ديمقراطية قوية يسودها القانون ويشارك فيها الجميع في صناعة القرار وتحمل المسؤولية وصولا الى الملكية الدستورية ومشاركة النواب في الحكومة. ومن أجل ذلك لا بد من إجراء حوار معمق حول قانون الانتخاب وقانون الأحزاب وقانون اللامركزية.
وفي المحور الثاني، أشار المحاضر الى أهمية الإصلاح الاقتصادي والتدخل لإصلاح الدورة الاقتصادية التي تدور في حلقة مفرغة لتصبح دورة فاعلة ومنتجة ذات آثار إيجابية من خلال دفع الاستثمار الذي يقود الى النمو؛ حيث تتولد فرص العمل ويتحسن دخل الأسر.
أما المحور الثالث فيتعلق بالتكافل الاجتماعي؛ حيث تعمل الدولة على تحسين ورفع سوية الخدمات في مجال التعليم والصحة والنقل وتكون الضريبة العادلة وسيلة الدولة لتحقيق التكافل من خلال استخدام القانون لاقتطاع المال "الضريبة" من أموال الأغنياء لتحسين الظروف المعيشية للفقراء وتحقيق التكافل.
الطرح الذي قدمه الرئيس لفلسفة الضريبة وبيان مبررات اقتطاعها ووجوه إنفاقها هو بيت القصيد في المحاضرة التي طاف من خلالها على معظم القضايا والتحديات التي تواجه المجتمع الأردني.
المحاضرة السياسية الاقتصادية الاتصالية التي قدمها الرئيس تكتسب أهمية كبرى وتشكل تحولا في شكل وأسلوب ومضامين الخطاب الذي اعتدنا عليه من الحكومات، فقد اتسم بالواقعية والوضوح وألغى الكثير من روح الخطاب الأبوي القديم الذي ميز شكل التواصل بين الرؤساء والقطاعات التي يخاطبونها. في مفاصل كثيرة وضع الرئيس نفسه محل المواطن وأثار التساؤلات نفسها التي يثيرها وحاول الإجابة عما يقلق المواطن. فقد أكد جدية الحكومة في مكافحة الفساد والخطأ المرتكب في بعض قضايا الخصخصة وسير الحكومة في ملاحقة قضية الدخان مهما كلف الثمن.
الأولويات التي يراها المواطن هي أولويات الحكومة، لكن القانون الذي يشكل مظلة للجميع يمنح المتهم فرصة لإثبات  البراءة، الأمر الذي يجعل المواطن يشك في وجود نية للملمة وطي الموضوع.
السؤال الذي ستحسمه الأيام يتعلق بمدى قدرة الحكومة على تنفيذ التطلعات والرؤى التي عرضها الرئيس... وفي هذا المقام لا يملك أحد منا إجابة غير التمني.

التعليق