إبراهيم غرايبة

مسؤولية الحكومة في ظل الخصخصة والروبتة

تم نشره في الخميس 13 أيلول / سبتمبر 2018. 12:06 صباحاً

يفترض أن تبادر  الحكومة لأجل استيعاب التحولات الاجتماعية والاقتصادية المصاحبة للخصخصة وعمليات الحوسبة والروبتة الجارية للأعمال والمؤسسات، وليس بعيدا عن المنطق والجدية القول إن التشريعات والسياسات الضريبية الجارية اليوم وغيرها من اتجاهات إدارة الموارد وإنفاقها تخضع لمصالح ومؤثرات فئوية وأوليغاركية وأنها تلحق ضررا كبيرا بأغلبية المواطنين، بل إن الحكومة نفسها يجري التأثير عليها وربما إلحاقها برجال الأعمال والمرابين! هكذا تتشكل متوالية للشرور أخطر بكثير من السياسات الضريبية نفسها، إذ يجري على نحو ما إضعاف المؤسسات الخدمية العامة في التعليم والصحة والنقل ويدفع بالمواطنين للحصول على هذه الخدمات من القطاع الخاص، وفي ظل تراجع الأداء العام فإن المواطنين يتعرضون للإذعان ويدفعون ثمنا باهظا لخدمات يفترض أنهم دفعوا ثمنها للحكومة من الضرائب والموارد العامة، المواطن يدفع الضريبة ولا يحصل على خدمة كافية، ثم يدفع ثمن الخدمة نفسها للقطاع الخاص، ثم يدفع ثمن الرداءة والإذعان في توفير هذه الخدمات والسلع!
والتحدي الآخر الذي تنشئه عمليات التكنولوجيا الحديثة أنها تنشئ أسواقا وفرصا جديدة لا يلتفت إليها كثير من المهمشين (وهم الأغلبية) أو لا يملكون الموارد والفرص والخبرات التنظيمية والمعرفية الكافية للحصول على المعارف والمهارات الجديدة.
وهنا فإن الحكومة يمكن أن تقوم بدور محوري وأساسي لمساعدة المجتمعات والطبقات وتأهيلها لتوظيف الفرص الناشئة في الأعمال والموارد الجديدة، وألا تترك الأسواق والمؤسسات والفرص عائمة؛ هذا إن لم تتحالف مع طبقة ونخبة احتكارية وتساعدها في التحكم بالموارد والفرص والاستحواذ عليها، إذ ليس متوقعا أن تتشكل استجابات تلقائية لدى المجتمعات والمؤسسات والأعمال لاستيعاب التحولات الناشئة عن التكنولوجيا الجديدة، بل المتوقع هو العكس؛ إذ تتجه الطبقات الاقتصادية والمهنية غالبا إلى مقاومة التغيير، والامتناع عن الإنفاق والاستثمار في التكنولوجيا الجديدة حتى لو كان في مقدورها أن تفعل ذلك.
يفترض أن تبادر الحكومة وتتحرك بسرعة وفعالية لبناء رأس المال البشري في المدارس والمؤسسات لتأهيل جميع المواطنين على مختلف أعمارهم ومواقعهم وأعمالهم لأجل استيعاب وإدارة التحولات الجارية وتوظيفها إيجابيا لصالح تحسين الحياة ومستوى المعيشة.
وهناك الكثير من الأسر التي تدرك الأهمية للمعارف والمهارات الجديدة لكنها غير قادرة على الحصول على تعليم وصحة أفضل لأطفالها، وهناك أيضا نسبة كبرى من المواطنين تضحي بمعظم مواردها لإنفاقها على التعليم والصحة المفترض أنها دفعت ثمنها للحكومة والمفترض أن تحصل عليها مجانا أو بتكاليف قليلة.
وبرغم صحة القول والإحصاءات عن فرص المواطنين في الحصول على الخدمات الصحية والتعليمية فإنها خدمات ومؤسسات تتراجع في مستواها ومحتواها على نحو مخيف، كما يتحمل المواطنون نفقات كثيرة غير منظورة وأحيانا غير معترف بها لأجل الحصول على هذه الخدمات أو تحسينها قليلا، وإذا كانت الفرصة قائمة اليوم للاستدراك وتطوير هذه المؤسسات والخدمات فربما تضيع منا الفرصة للأبد، وعلى سبيل المثال فإن الأمراض والتحديات الصحية الناشئة بسبب الفقر وسوء التغذية سوف تقلل بنسبة كبيرة فرص الأجيال في العمل والحياة الأفضل وربما القدرة على التعلم والاستيعاب، إذ يمكن أن يؤدي كثير من الأمراض والمشكلات الصحية إلى عجز نفسي وعقلي، كما أن المهارات المعرفية التي يحرم منها التلاميذ اليوم في المراحل المبكرة والأساسية سوف تحرمهم وإلى الأبد من فرص العمل المتقدم والمنافسة في الأعمال والمؤسسات التي تتطلب مهارات ومعارف لم يحصلوا عليها. كيف نقنع حكومتنا أن الإدارة السياسية والعامة تختلف عن الإعلام والعلاقات العامة؟

التعليق