عبادة الزكاة

تم نشره في الخميس 13 أيلول / سبتمبر 2018. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

استوقفني خبر مشروع قانون الزكاة المنوي السير به، ليكون جزءا من قانون الضريبة، وبعيدا عن لغة الاتهام والتشكيك، أجد نفسي مضطرا للحديث عن بعض الضوابط التي لا بد منها في تأدية العبادات، فالزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وجد ليؤسس مبدأ التكافل بين الناس، وليطهر النفس ويزكيها، ولينمو هذا المال نفسه، فقد وعد سبحانه: "يمحق الله الربا ويربي الصدقات"، أي يزيدها، وأن يخلف مال المنفق: "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين"، والأمر بإيتاء الزكاة كثير في كتاب الله، وهي الفريضة الوحيدة التي جُمِعت مع الصلاة لأهميتها: "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة".

كان عمّال رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء والولاة يذهبون لجمع الزكاة وتحصيلها من الناس، وفق الشروط التي وضعها الشرع الحنيف، ونتذكر هنا كيف ارتد بعض المسلمين بسبب الزكاة، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه، وقال قولته المشهورة: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة"، فهي فريضة وركن ركين من أركان هذا الدين، لا يكون المسلم مسلما إلا إذا آمن بها وأداها إن انطبقت شروطها عليه.

ولكن لا بد من فهم أن للزكاة شروطا، منها (بعد الإسلام والبلوغ والعقل)، فلا بد من مِلك النصاب، ولا بد من أن يحول الحول، أي أن تمر عليه فترة عام كامل وهو ما زال بالقيمة التي تهيئه لدفع النسبة التي هي في الأموال (2.5 %)، ولها حسابها في الأنعام وفي الزروع والثمار وفي غيرها من الممتلكات، وللزكاة مصارفها التي حددها الشرع، وهي ثمانية: "إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله، والله عليم حكيم".

وفي النفس أسئلة حول ما يُطرَح:

أولا: إن فرض شيء على الناس في الشأن المالي بصبغة (دينية) لا بد فيه من إقناع يقود إلى انقياد تلقائي، وذلك حين تكون الثقافة الإيمانية قد رسخت في النفس، واستشعر المسلم مسؤوليته تجاه الدين من جهة، وتجاه المجتمع والقيم الإنسانية من جهة أخرى، فهل سارت الحكومات في مسار التثقيف الإيماني والالتزام العام بمبادئ الشريعة التي أريد مخاطبة الناس بإحدى جزئياتها في شأن الزكاة مثلا!؟

ثانيا: إن صيغة الجمع بين الزكاة والضريبة فيه خلط على الناس، فالضريبة (بغض النظر عن قيمتها ونظامها) مسؤولية تحددها حاجة الدولة لمعونة أفرادها ضمن عقد الثقة بين الدولة وأفرادها، وقد ناقش العلماء قديما مسألة: هل في المال حق غير الزكاة؟ ورأي بعضهم أن الحاجة الحقيقية هي التي تقرر هذا، ولكن لا بد من الثقة المتبادلة، المبنية على الولاء والاحترام والنزاهة والكفاءة في الحكم، ومن هنا فإن الجمع بين الضريبة والزكاة (على فرض أن الضريبة هي حق الدولة فوق الزكاة) هو خلط ينبغي فصله وبيانه، فالزكاة على القادرين، تؤخذ من الأغنياء وتعطى للفقراء ابتداء ولمصارفها الأخرى المبينة في الآية، أما الضريبة فغالبا تستعين بها الدولة لتسيير شؤونها، وهو أحد بنود مصارف الزكاة إنْ وسّعنا مدلوله (في سبيل الله)، وقد يكون هناك صندوق للفقراء ولكن هذا سيشكل عبءً على الحكومات في دفعه لمستحقيه.

ثالثا: الزكاة عبادة وحق لله، سيتحرى المسلم أين يضعها في ظل غياب اهتمام رسمي بها، وقد تعود الناس في ظل هذا الغياب أن يدفعوها بطريقتهم الخاصة، ولهم معارفهم وطرقهم، والمحسنون كثر في المجتمعات كلها، فالخير موجود وأهله موجودون حتى في غير المجتمعات المسلمة، فكيف نقنع هؤلاء بالتوجه إلى الحكومات، وما تعودوا التعامل معها في هذا الشأن؟ بل ربما الثقة ليست موجودة أصلا.

رابعا: كتبت مرة عن وجود صندوق للزكاة بشرط أن يكون بعيدا عن سلطة الحكومات، وتكون له هيئة من ذوات معروفين بنزاهتهم وعفتهم والتزامهم، هم قدوة في المجتمع، يقومون على شأنها جمعا وصرفا، ضمن نظام واضح ملموس الواقعية والتنفيذ، وهذا يريح المواطن من التعب النفسي والبحث عن المستحقين، ويقطع دابر المظاهر السلبية الكثيرة التي نعاني منها في مجتمعنا، حيث التسوّل الذي أصبح عادة عند كثيرين، ولا نستطيع التمييز بين الصادق والكاذب، وقست قلوب كثيرين منا بسبب أولئك الدجالين الذين حرموا المستحقين الحقيقيين، فحين تنظم الأمور يصبح الشأن سهلا وفق قواعد بيانات دقيقة تؤدى من خلالها الحقوق، ويتحقق التكافل المقصود أصلا من الزكاة.

خامسا: مثلما هناك تهرب ضريبي لا تستطيع الحكومة ملاحقته وتحصيل ما يترتب عليه، سيتهرب الناس (وفق معطيات كثيرة أهما ضعف الولاء والقناعة والثقة) من الزكاة أيضا، ومرة أخرى فمثل هذا الشأن الديني بحاجة إلى مراحل من التربية الإيمانية حتى يستقر، ونتذكر أن فرض الزكاة تأخر عن غيره من الفرائض حتى يتأسس الإيمان ويقوى، فالمال عزيز على النفس، محبَّب إليها: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا"، ومجرد التفكير في شأنه عند الناس يقلقهم وينفّرهم، فكيف إن كان بلا أسس روحانية إيمانية!؟

سادسا: لنكن واقعيين، مشكلة الوطن المالية هي في تخبط السياسات المالية، وفي الفساد المستشري الذي غدا ثقافة وأمرا اعتياديا، فاتسع الخرق على الراقع لعدم وجود جدية حقيقية تمثل منهجا صحيحا وقدوة صالحة يتضامن المواطن من خلالها مع وطنه، ويقدم تلقائيا ليسهم في شأن وطنه، ولكن لسان حال كثيرين مع تقادم الأزمات وتغلغل الفساد أن أين المنهج الصحيح والقدوة الحسنة في الشأن الاقتصادي تحديدا؟ هنا المصيبة التي يعرفها المواطن جيدا، حيث الكوارث التي حلّت بالوطن لأسباب كثيرة معلومة.

سابعا: إن الإسلام منهج متكامل لا يؤخذ مفرَّقا، فالاعتماد على الزكاة وحدها بدون التزام عام، وبدون قيم أخلاقية وانقياد إيماني لا تؤدي الثمرات المرجوة، لا بد من مفاهيم تقيمها الدولة ابتداء أهمها النزاهة والعدل، حينها تكون الطاعة تحصيلا حاصلا، وربنا سبحانه ابتدأ بواجبات الحاكم التي هي حقوق المواطنين، ثم ثنى بواجبات المواطنين التي هي حق الحاكم، وأهم واجبات الحكم النزاهة والعدل، وأهم واجبات المواطنين هي الطاعة: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل... يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم...".

التعليق