إبراهيم غرايبة

تنظيم الأعمال والأسواق: السياسي والشبكي

تم نشره في الجمعة 14 أيلول / سبتمبر 2018. 11:10 مـساءً

تمضي الشبكية بما تنشئه من فرص وتحديات أمام الحكومات والأعمال بالسياسة والأسواق إلى حالة مربكة وانتقالية، ففي حين تريد السلطات كما يحاول الرئيس الأميركي  ترامب المحافظة على فرص ما قبل الشبكة والتنظيم العالمي للأسواق والأعمال تتجه الشركات إلى إعادة تنظيم وتشغيل مواردها وفق ما تتيح العولمة والشبكية من تخفيض في النفقات وزيادة في التوزيع والأرباح.
يشغل الحكومات في إدارتها وتنظيمها للأعمال والأسواق جمع الضرائب وتشغيل المواطنين، نتحدث بالطبع عن حكومات سويّة وكفيّة تعكس التشكيل المجتمعي بنزاهة، ويشغل الشركات وأصحاب الأعمال تخفيض النفقات والضرائب وزيادة الإيرادات والأرباح، وفي ذلك ينشأ جدل ترجحه عادة إن لم تحسمه الفرص التكنولوجية، ويكاد يكون مسار السياسة في تنظيم البيئة والتشريعات المحيطة بالعمل والأسواق كما الشركات والأعمال في علاقاتها بالسلطة والمستهلكين والمستفيدين أو في الإدارة والتشغيل هو ذلك الجدل والتسويات بين السلطة والأسواق في ظل الفرص والتحديات التكنولوجية.
يقدم تقرير البنك الدولي عن التنمية مثالين لطبيعة الشركات واستجاباتها، فقد لاحظ الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل رونالد كيسي في مقالته التي نشرت العام 1937 بعنوان طبيعة الشركة أن صناعة السيارات في ديترويت امتدت في تكاملها ومركزيتها لتنشئ مزارع للأغنام لأجل إنتاج الصوف المستخدم في صناعة مقاعد السيارات، كما مناجم الحديد والفحم؛ لكن شركة ايكيا لصناعة الأثاث اليوم توظف سوقا مفتوحة يشارك فيها عاملون وموردون من جميع أنحاء العالم، ويتشارك مع  JD.com الصينية حوالي 170 ألف تاجر ينشئون سوقا شبكية ممتدة من الأرياف الصينية إلى جميع أسواق العالم.
تصلح شركة إيكيا نموذجا اقتصاديا وسياسيا أيضا، فهذه الشركة التي بدأت العام 1943 بإنشاء متاجر صغيرة في السويد والنرويج والدنمرك أنشأت تنظيما شبكيا للأسواق والأعمال ودليلا عمليا للإنتاج والتصميم والتركيب يصلح للعمل والتنظيم السياسي والاجتماعي مثل تنظيم الأعمال والأسواق، لست في حاجة أن تكون في المركز أو في أعلى الهرم لتسير الأمور كما تحب، فالسيطرة تتحول في كثير من الأحيان إلى هدف سياسي بل واقتصادي مستقل عن الربح وتقليل الخسارة، بل إن السلطات وبعض الشركات تبذل المال والجهد والخسائر لأجل السيطرة والانتقام بلا فائدة سياسية أو اقتصادية!
يبدو الحل المنطقي والعادل في ترك السوق تعمل في تنافسية حرة وعادلة وفق الفرص الممكنة، وفي الوقت نفسه فإن السلطة تدير عمليات سياسية واجتماعية وضرائبية بالطريقة العادلة والمناسبة فنيا وسياسيا، لكن حرمان المواطنين والمؤسسات من منافع التكنولوجيا لأهداف تنظيمية أو احتكارية يلحق ضررا بالأسواق والسياسة أيضا، وعلى سبيل المثال فإن منع الطابعات ثلاثية الأبعاد أو التنظيم الاحتكاري للطاقة المتجددة وأنظمة الاتصالات يقلل فرص المواطنين في تحسين حياتهم ثم يصيب الأسواق والأعمال نفسها بالضرر؛ ما يقلل الموارد الضريبية وفرص العمل وتدبير معاش الناس واحتياجاتهم.
وتتزايد اليوم فرص التسوق والتسويق من خلال الشبكة، وهذا يغير في طبيعة الأسواق والمباني والمراكز والمعارض التجارية ويفتح مجالات العمل بالتوصيل والشحن، لكن يجب أن تنشأ منظومة من الثقة والإتقان تحمي هذه التجارة الجديدة، وتستطيع الشركات والمتاجر التقليدية أن تعيد تنظيم نفسها لتعمل بالطرق الجديدة. كما أن السلطات السياسية والضريبية تحتاج أن تعيد طريقة عملها لتتجه إلى منظومة ضريبية مستمدة من الدخل والأرباح واعتمادا على الثقة والتقدير الذاتي، وتساعد أنظمة المعلومات الجديدة والمتطورة في الحصول على بيانات دقيقة عن أعمال الأفراد والمؤسسات ومن ثم تنظيم وتقدير الضرائب.

التعليق