علاء الدين أبو زينة

أعباء ضريبية..!

تم نشره في الأحد 16 أيلول / سبتمبر 2018. 12:06 صباحاً

للعبء الضريبي الذي يجري الحديث عنه الآن تعريف في الاقتصاد، تمكن زيارته للإلمام بماهية المفهوم ومتعلقاته. لكن المواطن العادي لا يهتم بالتعريفات بقدر ما يهتم بالآثار المحسوسة التي تخلفها الضرائب على عيشه اليومي. ولعل أكثر متعلقات العبء الضريبي تأثيراً هو ما يُعرف بـ"نقل العبء الضريبي"، حيث يقوم المكلف بالضريبة بنقل عبئها إلى شخص آخر حتى يرسو على دافع أخير لا يستطيع أن تحميل العبء لغيره: المواطن. فإذا فُرضت ضريبة جديدة على سلعة، يرفع المستورد سعرها على تاجر الجملة، الذي يرفعه على تاجر التجزئة، الذي يرفعه على المستهلك الأخير.

الضريبة أو "الجباية" كما تعرفها المراجع هي "مبلغ نقدي تتقاضاه الدولة من الأشخاص والمؤسسات بهدف تمويل نفقات الدولة؛ أي تمويل كل القطاعات التي تصرف عليها الدولة كالجيش، والشرطة، والتعليم. أو نفقاتها تبعاً للسياسات الاقتصادية؛ كدعم سلع وقطاعات معينة، أو الصرف على البنية التحتية؛ كبناء الطرقات والسدود، أو التأمين على البطالة". ومن حيث المبدأ، يشير التعريف إلى أن المبلغ الذي يدفعه المواطن من دخله يعود عليه بالنفع بشتى الطرق: الأمن، والتعليم، والخدمات والبنية التحتية، وتأمين البطالة...إلخ.

لكنّ هذه العلاقة التكافلية بالتعريف بين الفرد والدولة يمكن أن تصبح تطفليّة حين يختل التوازن بين ما يدفعه المواطن وما يتلقاه من المنافع المذكورة. ومن باب المنطق، ستكون الدولة معنية، كجزء أساسي من وظيفتها، بابتكار السياسات والآليات الاقتصادية التي تخلق الوظائف، وتؤهل الناس لأداء الوظائف، وتوفر السبل لنجاح الأعمال التي توظف الناس، وتصميم دورة اقتصادية إنتاجية تسمح باستيفاء العاملين أجوراً تكفل إدامة هذه الدورة. وفي الأساس، يجب أن يكسب المواطن دخلاً يستطيع أن يدفع منه الرسوم والضرائب للدولة من دون إحساس بالغُبن، ويعيش بمستوى معقول من الاطمئنان، إذا لم نقُل الرفاه.

يعرف المواطنون في الأردن أنهم يدفعون في الحقيقة عشرات الضرائب المتضمنة في الفواتير والرسوم والطوابع والمشتريات والغرامات. لكن الكثيرين منهم يتحملون أعباء ضريبية لا تظهر بهذه الصفة. وربما تكون أعلى هذه الضرائب المتخفية تحميل المواطن كلفة التعليم والصحة، في شكل المدارس والجامعات والعيادات والمستشفيات الخاصة. وإذا كانت المدارس العامة سيئة والمشافي مكتظة ورديئة الخدمة، والجامعات الحكومية مرتفعة الرسوم وغير متاحة للمعظم، فإن المواطن لا يذهب إلى القطاع الخاص ويدفع كلفة هذه الخدمات من باب الترف. وفي الحقيقة، من أبسط حقوق المواطن على الدولة مقابل الضرائب التي تُفرَض عليه الحصول على تعليم وصحة بسوية عالية، كأساسيات وجودية. ويجب أن تنظر الدولة إلى تقديم هذه الخدمات وتجويدها كاستثمار استراتيجي وليس هبةً للمواطن، لأنه: من أين سيدفع المواطن لإدامتها إذا لم يتعلم ليعمل وينتج؟ وكيف يعمل وينتج إذا كانت صحته الجسدية و/أو النفسية معتلة؟ وما هي الدولة سوى مجموع مواطنيها العاملين الأصحاء المنتجين؟

ثم، من الطبيعي أن ينقل القطاع الخاص الذي يقدم الخدمات المذكورة أعباءه الضريبية إلى المواطن ويضيفها إلى فواتيره. ومن الطبيعي أن يُرتب اختلال العلاقة بين واجبات المواطن وحقوقه أعباء ضريبية هي الأثقل في الحقيقة. ففرط القلق الذي يخالِط الأفراد ومجموعهم (المجتمع) جراء الهشاشة تحت ثقل الاحتياجات والمطالب هو ضريبة فادحة في ذاته. والعنت الاقتصادي لقطاع غالب من الناس نتيجة لسوء إدارة الاقتصاد ونقص الخدمات والوظائف وتدني الأجور، هي كلها مسببات معروفة للعنف، والفئويات، والجريمة، والتطرف وأي مظاهر اعتلال مجتمعي يمكن تخيلها. وهي كلها أثقل "أعباء ضريبية" يمكن أن يدفعها الأفراد والمجتمعات، لأنها، ببساطة، وصفة لفشل الدول.

أن يصبح الحل الأخير الذي يفكر فيه المواطن اليائس هو البحث عن سبيل مستحيل للهجرة أو الاغتراب، هو عبء ضريبي أيضا. وأن يعيش قلقاً من فقدان وظيفته، أو متحسّباً من اليوم القادم وخائفاً على مستقبل أولاده الذين بلا عمل، أو أن يحاول بسط اللحاف المتقلص على أرجل المطالب الطويلة، هي أعباء ضريبية متصلة عضوياً بالدنانير التي يدفعها أينما ولى وجهه وفي كل دقيقة، مع شعور بأنه يدفع للأشياء أكثر بكثير من قيمتها الحقيقية. وإذا كانت الضريبة –بالتعريف الأكاديمي- تصرف على "الأمن والتعليم"، فأي أمن حين يقلق الفرد على خبزه وعمله وغدِه؟ وهل يعدّلون الضرائب حقاً لتحقيق معادلة: خُذ ما لكَ، وإنما اعطني ما لي؟!

التعليق