أسباب الفساد وعوامله

تم نشره في الأحد 16 أيلول / سبتمبر 2018. 11:07 مـساءً

أسباب الفساد وعوامله في البلدان النامية كثيرة. وقد أجملها أحد الباحثين كمب رونالدو هوب وألخصها بتصرف.
أولها، ضعف الخلق المدني أو الوظيفي عند موظف الإدارة العامة: تفيد الأبحاث والدراسات في عدد من البلدان النامية في آسيا، وإفريقيا، وأميركا اللاتينية، أنه ينقص موظفيها الإحساس بالواجب، والالتزام بالمسؤولية، وان كثيراً منهم لا يؤمن أنه خادم مدني للشعب، وإنما خادم لنفسه، فيستغل وظيفته لأقصى حد ممكن.
كما لا يوجد عند كثير منهم احترام للقانون أو خوف منه، فيصلون لأماكن عملهم متأخرين، ويغادرون مبكرين، ويضيعون وقت العمل بالأكل والشرب، والإطالة في العبادة، وسرقة بعضهم للممتلكات العامة، وقبولهم الرشوة مقابل الخدمات الواجب عليهم تقديمها للجمهور. ولكي يحصلوا على الرشوة يلجأون إلى مضايقة الجمهور وإقرافه، بالمماطلة، كضياع ملف المعاملة، أو بإصرارهم على إعادة دراستها، وغيرها من الحجج. ويجد الفاسد سنداً له بالتراخي الإداري الناجم عن غياب الخلق المستمد أصلاً من طبيعة التنشئة في الأسرة، والتربية والتعليم في المدرسة والمجتمع.
ويؤدي اتساع دور الحكومة الاقتصادي أو توسيعها له بدخول ميادين جديدة إلى تضخم البيروقراطية وإجراءات الضبط والربط، فتزيد فرص الفساد. كما يؤدي اتساع دور الحكومة السياسي: بالديكتاتورية أو الشمولية، إلى إضعاف مؤسسات المجتمع المدني، وبخاصة الصحافة الحرة، وإلى خضوع القضاء للتدخل الحكومي، وبالتالي إلى تفشي الفساد.
وفشل التنمية في رفع مستوى المعيشة وتوزيع عائداتها بعدالة، يؤدي إلى انتشار الفساد، وأيضا غلبة الاتجاهات الثقافية والأنماط السلوكية المعطوبة، وهنا تجد الإدارة العامة في حيرة من أمرها: أتلتزم بمعايير الإدارة الحديثة أم بالمعايير التقليدية البالية، ولأن ضغط التقليدية أقوى، فإن الإدارة العامة تفسد بالرضوخ إليها بدلاً من الولاء للدولة والقانون، والتمسك بالحرية أو المسؤولية الفردية.
ضعف الرأي العام في البلدان النامية مقارناً بقوة حكوماتها، ما يجعلها لا تقيم له وزناً. ويضعف هذا السبب أو العامل بتنامي قوة وسائط أو منابر التواصل الاجتماعي.
أما كلفة الفساد فتتجلى في الكلفة السياسية العالية التي قد تنوء الدولة - حكومة وشعباً - بحملها ومن ذلك اشتداد الصراعات الاجتماعية فيها، وبخاصة الصراعات الإثنية والدينية والجهوية والحزبية والسياسية. كما قد تُجيّر مصالح الدولة لخدمة المصالح الأجنبية، أو بتعطيل الوسائل اللازمة للتطوير السياسي والاقتصادي. الفساد مهدد خطير للديمقراطية الوليدة في البلدان النامية لأنها أحد ألد أعدائه. ولذا يقاوم السياسيون الفاسدون الشفافية والحرية والديموقراطية، ويعمدون إلى تكميم الأفواه، والتضييق على الحريات العامة، وانتهاك حقوق إنسان وإفساد القضاء.
ويعمل الفساد في العديد من البلدان النامية الفاسدة حسب النظرية التي تدعو إلى جعل الفساد مشروعاً أو ضرورياً للتنمية لدرجة المأسسة أو التقنين، وكأنه معيار للسلوك القويم.
كما يقوض الفساد الشرعية العامة للدولة أو للنظام، ويجعل تحقيق أهدافه صعباً. وللتعويض عن نقص الشرعية وغيابها بالفساد، تضطر الحكومة إلى استخدام القوة والعنف في التعامل مع المواطنين والصحافة وكل وسائل التعبير للتغطية على الفساد وحماية رموزه، ما قد ينتهي بوقوع الاضطرابات.
كلفة اقتصادية مرتفعة: يزيد الفساد كما هو مبين... كلفة نشاطات الحكومة لأن كل ما يُدفع لسياسييها وموظفيها الفاسدين من رشوات نقدية وعينية... يضاف إلى الكلفة النهائية للعقود والأجهزة والمواد. وذلك يزيد كلفة الإنفاق الحكومي ويبدد الموارد النادرة، فيضغط بدوره على الحكومة لزيادة الضرائب، أو إلى الاستدانة أو إلى خفض مخصصات البرامج التنموية، وبالتالي إلى خفض مستوى المعيشة وارتفاع الأسعار والفقر وتهريب الأموال.
وأيضا هناك الاستهلاك التظاهري، أي استخدام الفاسدين دخولهم غير المشروعة في الاستهلاك كبناء القصور وامتلاك السيارات الفخمة، وإقامة الحفلات الباذخة.
وهناك تشويه صورة الإدارة العامة للدول وإلحاق الأذى بالمهنية، ولعل ذلك يفسر لنا أموراً طالما عجزنا عن تفسيرها، وهي: الحضور الكثيف للموظفين غير الأكفاء في جهاز الدولة الفاسدة. وترحيب النظام بغير الأكفاء على حساب الأكفاء. وتفضيل بعض شرائح المجتمع الوظيفة العامة/ الحكومة على أي وظيفة أخرى.، وأخيرا ضياع المصلحة العامة وإضعاف الثقة العامة بالدولة وتضييق الخناق على رجل الأعمال النزيه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الاثنين 17 أيلول / سبتمبر 2018.
    نعم .. هذا تشريح منطقي وافي ؛ ولكن متى يمكن ان نحقق " نحن نعمل لمصلحة الوطن اولا" ؟ ومتى يمكن "تعديل صلاحيات صرف المتنفذين بموجب القوانين المرنه"؟ وكيف.. وبماذا..؟؟؟..وشكرا