الموت يغيّب الكاتب خيري منصور: "لم ينج أحد منا من عدواك"

تم نشره في الأربعاء 19 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً
  • الكاتب الراحل خيري منصور - (أرشيفية)

عمان- الغد- غيّب الموت أمس في عمان، الأديب والكاتب الصحفي خيري منصور، ابن قرية دير الغصون الواقعة قرب طولكرم في الضفة الغربية.

ولد منصور العام 1945، وأكمل المرحلة الثانوية في الضفة الغربية، ثم درس المرحلة الجامعية في القاهرة. 

في العام 1967، أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلية من الضفة الغربية، فغادر إلى الكويت ثم استقر في بغداد حيث عمل محرراً أدبياً في مجلة الأقلام العراقية.

ومنذ سنوات طويلة، يعيش منصور في العاصمة عمان، حيث واظب على كتابة عمود يومي في صحيفة الدستور الأردنية.

ويعكس شعر خيري منصور انشغاله بمرور الزمن وتأثير ذلك على أحاسيسه الشخصية، كما يعكس على الصعيد الجماعي آلام التجربة الفلسطينية وكذلك الإيمان والأمل اللذين هيمنا على التعبير الشعري لدى الشعراء الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة.

وخلال مشوار حياته، أصدر منصور العديد من المؤلفات، تنوعت بين الشعري والنقدي والفكري، مثل "عزلان الدم"، "لا مراثي للنائم الجميل"، "ظلال"، "الكف والمخرز (نقد)"، "التيه وخنجر يسرق شكل البلاد"، "أبواب ومرايا (نقد)"، "تجارب في القراءة (نقد)"، "صبي الأسرار (سيرة ذاتية)، "الكتابة بالقدمين" .

في مقدمته للأعمال الكاملة للشاعر خيري منصور التي صدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في 2007، يرى الناقد الراحل د‏.‏ إحسان عباس‏، أن خيري منصور لديه إحساس خفي بأن كل قصيدة قصيرة ترسم صورة‏،‏ وأن الصورة على اكتمالها ما تزال تفرض لها ظلا أو صورة أخرى مقابلة.‏

ويضيف عباس أن تصفح هذه القصائد يدل على أنها كتبت بطريقة جديدة‏، أو جعلت على شكل خطوط مكتنزة بالمعاني والإشارات والتلويحات ولا يضيرها أنها خطت في سهولة ظاهرة ويسر، وفي استرسال طبيعي وبمشاركة غير قليلة من اللاوعي، من دون لجوء إلى التعمية والتعقيد مع الحفاظ على إيقاع داخلي وبعض إيقاع خارجي‏.‏ أما الشاعر الراحل محمود درويش فيقول في كلمة غلاف الأعمال الكاملة للشاعر خيري منصور: "كم تبدو تقليديا يا خيري وأنت تدافع عن حق العرب في الهواء والغنائية - كي لا أقول عن فلسطينهم - ووعيهم لذاتهم وعن غد يؤجله حاضرهم إلى أجل غير مسمى‏، وتطرده تبعيتهم إلى زمن مائع‏،‏ لا ماضيه يمضي‏، ولا مستقبله يلوح ولو من بعيد"‏.‏ ويضيف درويش:‏ "إنك فنجان قهوتنا الأول‏،‏ فلا يبدأ نهارنا إلا بك‏‏ أحببناك‏‏ وأدمناك ولم ينج أحد منا من عدواك".

الزميل زياد العناني، كتب معقبا على صدور الأعمال الشعرية حينها، أن حصة منصور من الماس هي الحصة الكبرى، خصوصا وأنه يعرف الأسباب التي تفسد الشعر، إضافة إلى أن جماليات ما يكتب سواء في القصيدة أو النثر "تنطوي على رعب ما" جعلت تجنبه من قبل الرداحين والكتبة أسلم من الاحتكاك فظل خارج المنظومة المكائدية بكل ما فيها من نقد صحي أو نقد مريض يردد: الهزيمة الكاملة كالجريمة الكاملة، لا تحدث إلا عندما يغيب الشهود تماما.. فهو أول من حظر من خطورة النزوع إلى التجريد، وهو أول من كتب عن المخرج الوهمي.

صاحب مجموعة "الكتابة بالقدمين" رأى قبل أن يرى النقاد أن الترميز رغم إفراطه في الثّناء والولاء ينطوي على قتل آخر، وراح يذكر دائما بما قاله نزار قباني في مرثيته لعبدالناصر، مشيرا إلى أن الترميز يأتي في مثل هذه السياقات الإسقاطية بمثابة قتل الموتى، وتدبيج بوليصات تأمين ضد قياماتهم الممكنة.

فلا بأس والحالة هكذا أن يحمل خيري منصور بشدة على أصحاب الذاكرة المثقوبة ومثقفي النميمة الذين يصنفهم بحصافة بالغة في مقالته أيديولوجيا النميمة، حيث يقول: "ثقافتنا العربية الآن، هي ثقافة نميمة بعدة مقاييس، فهي تنبذ الظواهر لصالح الشخصنة، والتحليل لصالح الحكي والسرد، وثمة نزعة فضائحية يسيل لها لعاب الناقد والصحفي والقارئ أيضا، هذه النزعة تضع أخبار المثقف، وما يُشاع عن حياته الخاصة في موقع أشد إثارة للاهتمام".

ولأن شعريته نابضة ومشعة لاقت الكثير من العنت لأسباب ربما ترجع إلى التباسات المشهد الشعري الفلسطيني، إلا أنها نجت من هذا الفخ المحلي ومن اللعنة الدرويشية الساحرة، وشكلت تجربة يعتد بها وسط ركام الشعريات التي أخذت حظها من الإشاعة والكتابة تحت الطلب، إضافة إلى شعرية الملاحق الثقافية والمدونات التي تؤلف نصها، كما تؤلف نقدها في الوقت الذي أبعد فيه خيري منصور عن اللغط الشعري والمهرجانات والشعر المدعوم بأموال السلطات.

وبين هذا العنت والالتباس قدم شهادته حين كتب سيرته "صبي الأسرار" على خلفية ساخرة رأى فيها أن معظم من يكتبون شهاداتهم عن إبداعهم، أو حتى سيرتهم الذاتية، يعيدون إنتاج البواكير بما يليق وشيخوخة محكمة، فالأرعن يصبح واعظاً بامتياز والعليل يتداوى، حيث تقترض ذاكرته من خياله، وليس العكس.

وراح إلى وعي مضاد، للكتابة باعتبارها تصحيحاً للعالم، وتورطاً لا يخلو من مناقبية باهظة ووجد نفسه منهمكاً في كتابة تجربة مكرسة للقراءة باعتبارها لقاحاً باسلاً ضد نوستالجيا البدء من صفر الخليقة، مؤكدا أنه لم أكن أول من غنى، ولا أول من أحب ولا أول من كتب، ولأنه مسبوق بهذه السلاسل من جبال المعرفة، وكلابها، وأنهارها ومحيطاتها أشار ورأى أننا جميعا نبتكر آباء من هذا اليُتم المزمن، وأحياناً نبتكر أمهات من نشارة الخشب، أو سلاف الزيتون كما رأى أن العزلة في هذه الحالة أحد المصدات ضد صواعق القطعنة أو تحويل الامتثالية من ظاهرة تاريخية إلى قدر ميتافيزيقي.

التعليق