رعب الـ" بي.دي.اس"

تم نشره في الأربعاء 19 أيلول / سبتمبر 2018. 12:00 صباحاً

هآرتس

يولي نوفيك  18/9/2018

المشكلة مع الغيلان هي أنها طالما لا تظهر من تحت السرير فإنها تبقى مخيفة جدا. غول الـ بي.دي.اس هو أحد المنتوجات الفاخرة لحكومة إسرائيل. بواسطة جهاز إعلامي غني بالموارد ورسائل مخيفة، تحولت حركة احتجاج فلسطينية شرعية غير عنيفة إلى مؤامرة لاسامية. كيف حدث أن سارعنا إلى ابتلاع الطعم الذي يخدم فقط من يريد الحفاظ على نظام الاحتلال والابرتهايد في إسرائيل؟.

شبيها بما يحدث في دول اخرى في العالم، فإن حكومة إسرائيل تنفذ تغييرا في نظام الحكم يحل وينهي الفضاءات الديمقراطية – المادية والفكرية – التي بواسطتها تستطيع المعارضة العمل من اجل الوصول إلى السلطة. منع احتجاج مدني هو أحد سبل فعل ذلك. في السنوات الأخيرة تصور الحكومة كل مظهر من مظاهر المعارضة لسياستها كخيانة. بالضبط مثلما أن كل تعبير تأييد لحركة بي.دي.اس يتم تصويره على أنه لاسامية. 

نموذج نضال حركة الـ بي.دي.اس يرتكز على حركة المقاطعة التي عملت ضد نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا. أيضا هناك قاد النشاطات مواطنون من جنوب افريقيا، لكنها جرت في اماكن مختلفة في العالم وفي مجالات مختلفة. وكما في إسرائيل الآن، أيضا في جنوب افريقيا التي ساد فيها الابرتهايد، فإن الأغلبية الساحقة من المدنيين الافارقة (البيض) صدقوا أكاذيب حكومتهم. واعتبروا هذه المقاطعات والمجموعات التي قادتها تهديدا وجوديا على الدولة وتعبيرا عن العنصرية تجاه الافارقة البيض. 

لقد كان لحركة المقاطعة ضد جنوب افريقيا تأثير حاسم على الغاء الابرتهايد وتبني دستور مساوي وديمقراطي. الواقع السياسي العالمي تغير بشكل جذري منذ ذلك الحين، وفي كل الأحوال إسرائيل ليست جنوب افريقيا. ولكن هناك مثلما هو الأمر هنا، حركة المقاطعة تمثل صورة من النضال غير العنيف لشعب موجود تحت الاضطهاد، وضد النظام الذي يضطهده.

مجموعة سياسية واقعة تحت الهجوم مثل المعارضة الإسرائيلية دفعت إلى وضع من النضال على البقاء، الذي يجد صعوبة في ان ينظر ويعترف بالتطورات السياسية ويبلور مواقف حديثة وذات علاقة بالواقع وشجاعة. علاقة اليسار الإسرائيلي مع الـ بي.دي.اس هي مثال ممتاز على ذلك. عندما يسألون إسرائيليين يعارضون الحكومة والاحتلال ماذا يفكرون عن بي.دي.اس يتبين أن هناك نجاحا كبيرا لدعاية الحكومة ("هذه حركة لاسامية"، "هم يريدون تصفية إسرائيل").

سبيل معارضة غسل الادمغة هذا تبدأ، حتى لو كانت مركبة. والحقيقة بخصوص الـ بي.دي.اس مكتوبة ببساطة في موقع الحركة: هذه حركة احتجاج اقيمت في العام 2005 من قبل منظمات فلسطينية بهدف ممارسة نضال غير عنيف من اجل المساواة والحرية للشعب الفلسطيني. الحركة تضع ثلاثة مطالب، كلها وضعها الفلسطينيون على طاولة المفاوضات مع إسرائيل على مر السنين: انهاء الاحتلال في المناطق، مساواة كاملة لمواطني إسرائيل العرب وتطبيق قرار الأمم المتحدة 194 بخصوص حق العودة للاجئين الفلسطينيين. هذا كل شيء.

ليس هناك تدمير إسرائيل، وليس هناك لاسامية، بل موقف سياسي يرتكز على رواية فلسطينية. يصعب سماع رواية تعرض إسرائيل كدولة كولونيالية وعنصرية وتطالب بالاعتراف بالمظالم التي وقعت على الشعب الفلسطيني في السبعين سنة الاخيرة. ليس بالامكان أن نتوقع أن يكون هذا سهلا، ولا أحد ملزم بتبني هذه الرواية. ولكننا ملزمون بالتغلب على الخوف وأن نفهم أن هذه طلبات شرعية لشعب واقع منذ عشرات السنين تحت القمع العسكري، ويناضل ضد نظام عنيف وعنصري.

الحكومة الإسرائيلية لا تريد معارضة أو انتقاد لسياسة الاحتلال – لا من الداخل ولا من الخارج، لا عنيفة ولا غير عنيفة. الاسلوب الأسهل لمنع تأييد معارضة كهذه هو وسم كل انتقاد كذراع للغول اللاسامي. صحيح، ومثلما هو الأمر في كل حركة سياسية واسعة، فانه في بي.دي.اس أيضا توجد هوامش عنصرية وتصريحات لاسامية.

العقلية العنصرية هي أمر خطير ليس فقط لليهود، لكنني لا أعرف حركة سياسية محصنة ضد ظواهر هامشية متطرفة. السؤال الذي يجب طرحه هو ما هو الخط الرسمي للحركة وإلى أي درجة تنجح في الحفاظ عليه كخط مركزي، ومعارضة هذه الظواهر داخلها. المواقف الرسمية لـ بي.دي.اس وكذلك أيضا الاغلبية الساحقة للمواقف العلنية التي يطلقها اعضاء الحركة، تعلن أن المعارضة للعنصرية مهما تكن، بما فيها اللاسامية، هي أمر اساسي ومبدئي وقيمي في النضال.

لا أحد من الإسرائيليين ملزم بالموافقة أو بدعم الـ بي.دي.اس أو باستراتيجيتها التي اختارتها قيادتها الفلسطينية. ولكن يجب معرفة ما هي. ومن خلال هذه المعرفة أن نفهم أننا كأشخاص لدينا وعي ديمقراطي، محظور علينا بأي شكل من الاشكال الخضوع للخط الحكومي والموافقة على اخراج هذه الحركة والقيم التي تمثلها خارج الخطاب الشرعي. يجب أيضا أن نقف للحظة ونسأل انفسنا ماذا كنا نفضل أن يفعل الفلسطينيون: هل ينضموا للنضال المسلح؟ أو ربما ببساطة يسلمون بالوضع ويسمحون بمواصلة الاحتلال والسلب والقمع والقتل بدون ازعاج.

التعليق